في لحظات ما بعد الحرب، لا تُقاس قوة الدولة بما تحققه من انتصارات عسكرية أو أمنية، بل بما تمتلكه من قدرة على تعريف العدالة. فكل سلام يتحقق يكون اختبارًا لمفهوم الدولة: هل هي دولة قادرة على إنفاذ العدالة، أم دولة تُدير التوازنات عبر العفو المعلّق على حافة المساءلة؟
إن العودة لبعض الفاعلين في مشهد الحرب، سواء عبر الانشقاق عن مليشيا الدعم السريع “في حالة النور قبة” أو المحتملة لقيادات سياسية ناوأت الجيش وخذلت السودانين ودعمت الانقلاب الذي أدخل البلاد في حرب 15 أبريل 2023، تضع الدولة أمام معادلة دقيقة لا تحتمل التبسيط.
فاستيعاب هذه التحولات قد يبدو، من زاوية براغماتية، ضرورة تفرضها اعتبارات الميدان وتوازنات القوة، كما تفرضها أيضًا حسابات استخباراتية تسعى إلى تفكيك الخصم من الداخل وإضعاف بنيته التنظيمية والمعنوية.
غير أن هذا المسار، مهما بلغت وجاهته الاستراتيجية، لا يمكن فصله عن سؤال العدالة الأصيل في معادلة الحرب والسلام، بوصفه الركيزة التي تُبنى عليها شرعية الدولة وسلطتها في أعقاب النزاعات الكبرى.
فالدولة التي تختار العفو بلا شروط أخلاقية أو قانونية، قد تربح لحظة استقرار مؤقتة، لكنها تخسر على المدى الأبعد ثقة المجتمع في معنى الدولة وفي آليات تحقيق العدالة. أما الدولة التي تُغرق نفسها في منطق المساءلة الانتقامية، قد تُعيد إنتاج دائرة العنف بأشكال مختلفة، وتُبقي الجرح مفتوحًا دون أفق للاندمال. بين هذين الحدّين، تتشكل المنطقة الأكثر تعقيدًا: منطقة التوازن بين العفو والمساءلة.
في هذا السياق، تبدو مسألة إدماج المنشقين العائدين من ساحات القتال أو العائدين من الأحزاب والكيانات السياسية، اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة الدولة على تفكيك بنية الحرب دون إعادة تدويرها في شكل جديد، واختبارًا لقدرتها على الاستجابة لنداء الضحايا، الذين يرون في غياب المساءلة تهديدًا لمعنى العدالة، واهدارا للحقوق.
فالمجتمعات التي خرجت مثقلة بالانتهاكات، لا تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها ترتيبات سياسية، بل باعتبارها امتدادًا لذاكرة الألم والخذلان.
وإذا كانت الاعتبارات الميدانية تفرض أحيانًا مقاربات مرنة، فإن هذه المرونة لا يمكن أن تتحول إلى نمط دائم يُكافئ حمل السلاح أو يُحوّل القوة العسكرية إلى بوابة للشرعية السياسية. فهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تُصبح الحرب طريقًا مختصرًا إلى السلطة، وأن يُعاد إنتاج منطق “أمراء الحرب” في ثوب سياسي جديد، يجمع بين النفوذ العسكري والمشروعية الشكلية.
إن جوهر الإشكال لا يتعلق بالعودة ، بل بطريقة تأطيرها. فالمصالحة التي لا تُبنى على التزام واضح بمسار وطني جامع، تفصل بين منطق الدولة ومنطق الجماعة المسلحة، تتحول إلى صفقة مؤقتة أكثر منها تأسيسًا لسلام مستدام. أما المصالحة التي تُدرج في إطار مشروع دولة واضح المعالم، لا يكافأ فيها الجاني بل ينحاز إلى الوطن بلا مقابل، فإنها يمكن أن تتحول إلى رافعة لتوسيع قاعدة الاستقرار دون المساس بجوهر العدالة.
وفي المقابل لا يمكن تجاهل أن الحرب، قد أنتجت سرديات متناقضة، بعضها سعت فيها أطراف إلى تقديم رواياتها الخاصة أمام الداخل والخارج، لدعم المليشيا بما في ذلك تبرير الانتهاكات، أو شيطنة الخصوم، وبعضها سوق الصراع بوصفه معركة وجودية، وهذا ما كان أقرب للواقع بالنظر إلى تعريف الحرب من قبل الأمم المتحدة بأنها حرب أطماع. وفي خضم هذا التشابك، تراجعت أحيانًا الحقيقة الصافية لصالح سرديات سياسية وإعلامية مخدومة، ما جعل مهمة العدالة أكثر صعوبة وتعقيدًا.
غير أن أي قراءة جادة للمشهد لا يمكن أن تتجاهل أن الضحايا هم المركز الحقيقي لهذه المعادلة. فبين تهجير قسري، وانتهاكات موثقة، وتدمير بنى اجتماعية واقتصادية، تتراكم أسئلة العدالة باعتبارها استحقاقًا لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن تجاوزه باسم الاستقرار. وهنا تتجلى أهمية التفريق بين العفو بوصفه أداة لوقف النزاع، والعفو بوصفه تنازلًا عن جوهر المساءلة.
لذلك لا يمكن أن تكون الحلول السياسية علي حساب معاناة الضحايا الذين تعرضوا للتهجير والانتهاكات وفقدان الممتلكات. فهؤلاء هم مركز أي عملية عدالة حقيقية، ولا يجوز تجاوز حقوقهم باسم الاستقرار السياسي. التجارب الدولية تشير إلى أن الحلول الناجحة لا تقوم على العفو المطلق ولا العقاب المفتوح، بل علي العدالة الانتقالية، التي توازن بين إثبات الجرائم، و المحاسبة المتدرجة ،وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية.
بحسب #وجه_الحقيقة ، فإن السؤال الجوهري يتعلق بكيفية بناء معادلة دقيقة تضمن ألا يتحول العفو إلى إفلات، وألا تتحول المساءلة إلى انتقام. فالدولة التي تنجح في هذا التوازن هي وحدها القادرة على تحويل السلام من فكرة، إلى عقد اجتماعي جديد، يؤسس لمرحلة أكثر عدلًا واستقرارًا.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 22 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com
