لا يحتاج المشهد السوداني اليوم إلى توصيف، فقد تجاوزت الفجيعة حدود الكلمات. نحن أمام زلزال وجودي أحدثته مليشيا “الدعم السريع” الإرهابية في بنية الدولة والمجتمع ، حيث استُبيحت الأنفس، وهُتكت الأعراض، ونُهبت الممتلكات، وشُرّد الملايين في أكبر عملية تهجير قسري يشهدها القرن الحادي والعشرون. ولكن، ومع انقشاع غبار المعارك في بعض المناطق، يبرز سؤال أخلاقي وقانوني يقرع أبواب الضمير العدلي ، ألا وهو كيف تُردُّ المظالم لضحايا هذه المليشيا؟ وأين يقف ميزان العدالة من “إمبراطورية المال” التي شُيدت من جماجم وعرق السودانيين؟
إن دور النيابة العامة في هذا المنعطف التاريخي ينتقل من “حارس الحق” إلى “مسترد الحقوق” كما يجب ألا يقتصر على رصد الجرائم أو تقييد البلاغات في دفاتر الغياب؛ بل يجب أن يتحول إلى “قوة ضاربة” لاسترداد الحقوق. ومن هنا إننا نسائل السيد النائب العام: ما هي الخطوات الإجرائية لتعويض المواطن البسيط الذي فقد “شقى العمر” تحت جنازير المليشيا؟
لقد كانت هذه المليشيا تمتلك شركات عابرة للقارات، وأرصدة بنكية ضخمة، واستثمارات في الذهب والموارد ، فهل يُعقل أن تظل هذه الأموال مجمدة أو مجهولة المصير بينما يعيش الضحايا في مراكز الإيواء؟ إن العدالة الناجزة تقتضي وضع اليد فوراً على كافة الأصول والشركات التابعة للمليشيا ورموزها، وتحويلها إلى “صندوق وطني لجبر الضرر”، يخصص حصرياً لتعويض المتضررين وإعادة إعمار بيوتهم.
سعادة النائب العام، إن التاريخ يحدثنا أن “الحقوق لا تموت بالتقادم”، وأن الجناة مهما بلغت قوتهم المالية، فإن القانون قادر على تجريدهم منها لصالح الضحايا:
- تجربة “نورنبيرغ”: التي أرست قاعدة أن الثروات المجمعة من النهب والقتل هي ملك للضحايا، وليست “حقاً مكتسباً” للجناة.
- نموذج رواندا: حيث ساهمت المحاكمات الوطنية والدولية في ملاحقة الأموال المنهوبة بالخارج لإعادة بناء حياة الناجين من التطهير العرقي.
- ملاحقة أموال الديكتاتوريات: في دول عديدة، استطاعت النيابات العامة عبر التعاون الدولي تتبع “الأرصدة المهربة” وإعادتها لخدمة الشعوب المنكوبة.
وهذه رسالة إلى المواطن البسيط الذي يشعر بالضياع وسط ركام منزله المنهوب، إن حقك لا يضيع طالما هناك “ورقة” توثقه. وإليك ما يجب فعله: - المبادرة بالتبليغ: التمسك بفتح بلاغات جنائية (ولو إلكترونياً) في مواجهة المليشيا، مع تحديد حجم الضرر بدقة.
- التوثيق الممنهج: الاحتفاظ بصور الملكية، شهود العيان، وأي أدلة رقمية تثبت وجود المليشيا في موقع الضرر.
- الدعوى المدنية بالتبعية: المطالبة بـ “التعويض المدني” بالتزامن مع المحاكمات الجنائية، لضمان حجز أموال الجناة لصالحك.
- التكتل الحقوقي: إن قضايا الأحياء السكنية المنهوبة تكتسب قوة مضاعفة إذا قُدمت كـ “دعوى جماعية” تمثل مئات المتضررين.
إن الميزان الذي يحمله النائب العام هو الأمل الأخير لاستعادة الثقة في “دولة القانون”. إن السودانيين لا يريدون مجرد “إدانات لفظية” لقادة المليشيا، بل يريدون رؤية أموال هذه المليشيا تُسخر لترميم أرواحهم التي انكسرت، وبيوتهم التي نُهبت.
يا سيادة النائب العام: إن مئات الآلاف من البلاغات تنتظر فعلاً حازماً.. فهل ستكون النيابة العامة هي اليد التي تضرب على الظلم، أم ستكتفي بدور “المؤرخ” للمأساة؟
