لايختلف اثنان على أن التمرد الذي اندلع في السودان قبل ثلاث سنوات له أسباب داخلية وأخرى خارجية.ونحن معنيون بالداخلية منها تغييرا لأنفسنا تصويبا للأخطاء وتصحيحا للمسار.وهذه العوامل تراكمية من عهد الاستقلال وإلى أوضاع مابعد الحركات الاحتجاجية التي أسقطت الحكومة قبل سبع سنوات عجاف وكادت أن تسقط الدولة كون الذين تولوا أمر البلاد والعباد لم يكونوا على قدر المسؤولية وانشغلوا بالتمكين لأنفسهم وأحزابهم فاقدة السند الجماهيري ومحاولتهم القضاء على خصومهم السياسيين وإقصائهم مستخدمين أجهزة الدولة في ذلك كما أن الاختلاف بين مكونات الحكم وسعي من يصنفون بالمدنيين لتصفية القوات النظامية متذرعين بالهيكلة وتغيير عقيدة هذه القوات سياسات صبيانية طائشة فتحت الباب على مصراعيه للتدخلات الأجنبية وما اللجان الثلاثية والرباعية والخماسية ومؤتمرات الخارج من جدة إلى برلين إلا شواهد.
الحرب قد تضع أوزارها قريباً بعد التقدم الذي حققته القوات المسلحة على الأرض وانهيار المليشيا من الداخل باستسلام قادتها وانفضاض حواضنها القبلية..لكن تظل أسباب نشوبها وتداعياتها وآثارها باقية إذ لابد من تصفية الحركات المسلحة حتى لاتتكرر مأساة الدعم السريع وألا يكافأ المتمردون بالمناصب والامتيازات التي أوهنت الدولة وأرهقت ميزانيتها من نيفاشا إلى جوبا.أيضا لابد من مراجعة ملف الإدارة الأهلية ووقف زحف القبيلة على الدولة ومساءلة تلك التي شكلت حواضن للمليشيا المتمردة.
ولعله من المناسب إجراء حوار مجتمعي في مواجهة المد العنصري قبليا كان أم جهويا ومحاصرة خطاب الكراهية وكل مايفت من عضد المجتمع ويوهنه حوار يعزز ثقافة قبول الآخر ويسهم في إدارة التنوع أو التعارف حسب المصطلح القرآني وكل ما يسهم في إرساء دعائم العيش المشترك ثم الانتقال إلى الحوار الوطني على أن يكون "سوداني سوداني" وفي السودان حوار تسبقه تهيئة ومراجعات ومصارحات تصوب بوضوح لمكامن الخلل وترسم خارطة طريق لإنقاذ الوطن يبدأ ببرنامج الفترة الانتقالية الذي يتصدى لتداعيات الحرب وإفرازاتها وبرامج إعادة الإعمار وإمضاء العدالة الانتقالية وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات عامة.
إن معالجة الأسباب والعوامل الداخلية إعلاء لقيم المواطنة كفيلة بتحصين الوطن ضد أطماع وتدخلات الأطراف الخارجية المتربصة والمستفيدة من حالة عدم الاستقرار المفضية إلى تشظيها وتفتيت وحدتها على النحو الذي حدث في جنوبي السودان ويحدث في دارفور.