علي حافة الحقيقة !!
في اللحظات العادية من تاريخ الشعوب، يبدو الحديث عن الحرية والعدالة والسلام أمراً سهلاً، وتبدو الشعارات الوطنية براقة وقادرة على جمع الناس حولها. لكن حين تندلع الحروب، وتسقط المدن، وتتبعثر الأرواح بين النزوح والقتل والخوف، يدخل الجميع في امتحان قاسٍ، لا سيما المثقف، لأنه يصبح مطالباً بأن يختار بين الحقيقة وبين خنادق الاصطفاف.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فالحرب السودانية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت سريعاً إلى زلزال اجتماعي وأخلاقي وسياسي هائل، أعاد تشكيل الوعي السوداني على أسس حادة ومخيفة. ومع اتساع دائرة الدم، لم تعد المعركة تدور فقط في الميدان، بل امتدت إلى المنابر الإعلامية ووسائل التواصل والكتابات السياسية، حيث أصبح الجميع يقاتل بطريقته الخاصة؛ هذا بالبندقية، وذاك بالكلمة، وآخر بالشائعة أو خطاب الكراهية.وفي قلب هذا المشهد المرتبك، وقف المثقف السوداني حائراً بين واجبه الأخلاقي وضغوط الانتماء، بين الدفاع عن الإنسان وبين الانحياز للجماعة، بين قول الحقيقة وبين الخوف من العزلة أو الاتهام أو حتى الانتقام.
لقد كشفت هذه الحرب هشاشة كثير من النخب أكثر مما كشفت قوة السلاح. فبعض المثقفين الذين ظلوا لسنوات يتحدثون عن الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، سقطوا سريعاً في فخ الاصطفاف الحاد، وأصبحوا يبررون الانتهاكات حين تصدر من الجهات التي يتماهون معها سياسياً أو إثنياً، بينما يرفعون أصواتهم فقط حين يكون الضحايا من معسكرهم.وهنا يفقد المثقف رسالته الأساسية.
لأن المثقف الحقيقي لا يُقاس بقدرته على مهاجمة خصومه، بل بقدرته على إدانة الخطأ حتى لو صدر من أقرب الناس إليه. أما حين تصبح الحقيقة انتقائية، فإن المثقف يتحول من شاهد على المأساة إلى جزء من صناعتها.
لقد أفرزت الحرب السودانية نوعاً خطيراً من الخطاب الثقافي والسياسي؛ خطاب يقوم على تأجيج المظالم التاريخية، واستدعاء ذاكرة الثأر، وإعادة تقسيم الناس على أسس عرقية وقبلية وجهوية. وصار بعض المثقفين يكتبون وكأنهم قادة تعبئة نفسية للحرب، لا أصحاب مشروع وطني لإنقاذ البلاد.والمؤلم أكثر أن هناك من اختاروا الصمت الكامل، ظناً منهم أن الحياد نجاة، بينما كانت البلاد تغرق أكثر كل يوم. لكن الصمت في زمن الانهيار ليس دائماً موقفاً أخلاقياً؛ ففي كثير من الأحيان يكون شكلاً ناعماً من أشكال التواطؤ أو الهروب.
إن الأزمة التي كشفتها الحرب ليست فقط أزمة سلطة أو سلاح، بل أزمة وعي أيضاً. أزمة نخبة فشلت في بناء مشروع وطني جامع، وفشلت حتى في المحافظة على الحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية وسط هذا الخراب.فالوطن لا يُبنى بخطابات الكراهية، ولا تُصنع العدالة عبر الانتقام، ولا يمكن لمثقفٍ غارق في الانحياز الأعمى أن يقود مجتمعاً نحو السلام. لأن وظيفة المثقف ليست أن يكون صوت القبيلة أو الحزب أو الجماعة، بل أن يكون صوت الضمير العام، حتى عندما يكون ذلك مكلفاً.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إيقاف الحرب، بل يحتاج إلى إعادة تأسيس المعنى الوطني نفسه؛ معنى يرى الإنسان قبل هويته الضيقة، والحقيقة قبل المصلحة، والعدالة قبل الرغبة في الثأر.
فالمثقف الذي يختبئ داخل خندق الاصطفاف قد يكسب جمهوراً مؤقتاً، لكنه يخسر نفسه، ويخسر دوره التاريخي، ويخسر احترام الحقيقة.
وفي النهاية، تبقى المعضلة الكبرى للحرب السودانية أنها لم تكتفِ بتمزيق الجغرافيا، بل مزقت أيضاً الضمير الجمعي، ووضعت المثقف السوداني أمام سؤال مرعب:
هل ما زال قادراً على الوقوف مع الحقيقة… أم أنه أصبح مجرد مقاتل آخر، لكن بلا بندقية؟
،،،سروري مع خالص تحياتي ،،،
