بقلم :مهاد عوض
في كثير من الأحيان يظن بعض الناس أن المناصب قادرة على تغيير حقيقتهم، وأن الكرسي يمكن أن يمنحهم هيبة لا يملكونها في الأصل، أو يضيف إلى شخصياتهم ما لم تبنه القيم أو التربية. لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب أن المظاهر قد تُجمّل الشكل، لكنها لا تغيّر الجوهر.
فليس كل من ارتدى بدلة رسمية أصبح صاحب وقار، وليس كل من اعتلى منصباً رفيعاً صار أهلاً له. المنصب قد يمنح صاحبه سلطة، لكنه لا يمنحه بالضرورة حكمة، ولا يزرع في داخله أخلاقاً لم تكن موجودة من قبل.
إن بعض الأشخاص يعتقدون أن الواجهة الجديدة، أو اللقب الكبير، أو المكتب الفخم، كفيل بأن يجعل الناس تنسى حقيقتهم. غير أن الطباع القديمة كثيراً ما تظهر عند أول اختبار، فتتكشف الشخصية الحقيقية خلف الألقاب والرتب.
وقد عبّرت الحكمة الشعبية عن هذه الفكرة بصور عديدة؛ فالمظاهر قد تفرض هيبة مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تُخفي طويلاً ما يسكن في الداخل. فالسلوك الحقيقي للإنسان يظهر في المواقف، لا في الصور الرسمية، وفي طريقة تعامله مع الآخرين، لا في الألقاب التي تسبق اسمه.
المجتمعات الواعية لا تُخدع طويلاً ببريق المظاهر، فهي تدرك أن القيمة الحقيقية لأي مسؤول أو شخصية عامة تقاس بالفعل لا بالمظهر، وبالإنجاز لا بالكلمات، وبالأثر الذي يتركه في الناس لا بالمنصب الذي يشغله.
إن المنصب في جوهره اختبار للشخصية؛ فمن كان صاحب خلقٍ رفيع زاده المنصب احتراماً، ومن كان فارغاً من الداخل لم تستطع البدلات الرسمية ولا البروتوكولات أن تخفي فراغه طويلاً.
في النهاية، تبقى القاعدة بسيطة وواضحة:
الهيبة الحقيقية لا تأتي من الكرسي، بل من الإنسان الذي يجلس عليه.
فالجوهر يسبق المظهر دائماً، والطباع الأصيلة تظهر مهما حاول البعض تغليفها بأجمل الأشكال.
