إنّ حرب الكرامة في السودان تشهد تحولاً ملحوظاً، إذ لم تعد الأرض وحدها هي مسرح الفجيعة في السودان ، فبينما كانت الأقدام تتثاقل في وحل المعارك الميدانية، من ولاية لأخرى ارتقت الحرب فجأة إلى “الفضاء الكوني” والسيادة الجوية، لتعلن عن طور جديد من الصراع لا يعترف بحدود الجغرافيا ولا بضوابط المواجهة المباشرة. إن التحول الدراماتيكي الذي يشهده السودان اليوم لم يكن “تكتيكاً عسكرياً لحظياً، إنما كان إعلان عن مرحلة “تصفية الحسابات الكبرى” عبر أجنحة الحديد المسير.
وأكبر دليل هو استهداف أسرة قائد قوات درع السودان، “أبو عاقلة كيكل في قريته الكاهلي واستشهاد “عزام كيكل” وأسرته، لتكون بمثابة الصاعقة التي شقت سكون المشهد. فهذه العملية التي نُفذت بمسيرة استراتيجية يُرجح تسللها عبر الثغرات الحدودية مع إثيوبيا، لم تكن تستهدف جسداً فحسب، لكنها كانت تستهدف “خيار الانحياز للوطن”.
لقد أرادت “الميليشيا” من خلال هذا الاستهداف إرسال برقيات شديدة اللهجة، لم توجهها لقيادة الجيش هذه المرة، بل وجهتها إلى المنسلخين والمنضمين لركب القوات المسلحة ، مفادها أن يد “الانتقام” طويلة، وأن الخروج من عباءة التمرد ثمنه تصفية الوجود العائلي والنسل. وكذلك المترددين في الاستسلام هي رسالة تحذيرية استباقية لمن تحدثه نفسه بترك البندقية، بأن المصير الذي ينتظره هو القبر الطائر أينما حل وارتحل.
كما أنه لم يتوقف الأمر عند حدود التصفيات الجسدية، إنما امتدت يد التخريب لتطال عصب الاقتصاد في مصنع سكر كنانة (وحرق مصنع الإيثانول) ، وضرب السكينة في منطقة الصالحة جنوب أم درمان، ومدينة الأبيض الصامدة. فهذا الانتشار العرضي للاستهداف بالمسيرات يؤكد أن الحرب غادرت خنادق الاشتباك المباشر إلى حرب الاستنزاف الذكي ، حيث يتم ضرب العمق لإحداث هزات نفسية وزلزلة الثقة في المناطق المستعادة.
إنّ خلف هذه المسيرات، تكمن فتنة صُممت بذكاء خبيث ، فالهدف من دقة الإصابات هو زرع الشك في صفوف “المستسلمين” والمنضمين للجيش، وإيهامهم بأنهم “مخترقون” من الداخل، وأن ثمة من بينهم من يرصد الإحداثيات ويوجه القذائف. فهي محاولة لضرب الجبهة الداخلية الجديدة، وتحويل لحظات النصر بالعودة إلى هواجس الترقب والموت .
إن هذه الرسائل التي أُودعت في “بريد هيئة الأركان” تفرض واقعاً جديداً يتطلب أكثر من مجرد التنديد:
- خطة عاجلة للمظلة الجوية وضرورة إيجاد حلول تقنية لتحييد الفضاء الكوني والسيطرة على التسلل عبر الحدود.
- طمأنة “العائدين ، فالمواطن الذي عاد لبيته بعد سنوات من النزوح، يحتاج إلى يقين أمني يفوق ضجيج المسيرات، وإلا سيفكر بالعودة قبل أن يستقر به المقام.
إن السودان اليوم يواجه “حرباً هجينة” تستخدم الفضاء لتطويع الأرض. وبينما تسعى الميليشيا لفرض واقع الخوف العابر للحدود ، لتظل الكرة في ملعب الدولة السودانية لإثبات أن سيادة السماء هي امتداد لكرامة الأرض، وأن عدالة القضية أقوى من أجنحة الغدر المسيرة.
