الإثنين, مارس 16, 2026
الرئيسيةمقالاتالحرب على إيران والسجال السوداني: بين المبدأ الدبلوماسي وتضخيم الإقصاء السياسي "ردٌّ...

الحرب على إيران والسجال السوداني: بين المبدأ الدبلوماسي وتضخيم الإقصاء السياسي “ردٌّ على مقال د. الواثق كمير”

مهدي داود الخليفة

في مقاله المعنون “الحرب على إيران بين الصراع الإقليمي والإقصاء الداخلي” قدّم الدكتور الواثق كمير قراءة تحاول الربط بين تطورات الصراع الإقليمي الدائر حول إيران وبين السجال السياسي داخل السودان، معتبراً أن بعض المواقف السودانية من الحرب تُستغل كأداة لإقصاء خصوم سياسيين، وعلى وجه الخصوص الحركة الإسلامية. غير أن هذه القراءة، على ما فيها من سعيٍ لتقديم تحليل متوازن، تبدو في بعض جوانبها أقرب إلى محاولة تخفيف الضغط السياسي عن الحركة الإسلامية السودانية أكثر من كونها توصيفاً دقيقاً لواقع المواقف السياسية في البلاد.

من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن احترام سيادة الدول ورفض الاعتداء على أراضيها هو أحد الركائز الأساسية في القانون الدولي. وقد كرّس هذا المبدأ ميثاق الأمم المتحدة منذ عام 1945، حين أكد على حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالات محددة تتعلق بالدفاع المشروع عن النفس أو بقرارات صادرة عن مجلس الأمن. ومن هذا المنطلق، فإن رفض أي اعتداء على سيادة الدول—أياً كان مصدره—يظل موقفاً مبدئياً لا يخضع للحسابات السياسية الضيقة.

غير أن الإشكال الحقيقي في النقاش السوداني لا يتعلق بالمبدأ نفسه، بل بكيفية تصوير مواقف القوى السياسية السودانية إزاء الحرب. فخلافاً لما يوحي به المقال، لم تنشغل معظم القوى السياسية في السودان بتوظيف الحرب على إيران كأداة لإقصاء خصومها الداخليين، بل إن الغالبية الساحقة من هذه القوى أصدرت بيانات واضحة تدين استهداف دول الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتدعو في الوقت ذاته إلى تجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد العسكري.

حتى الحكومة السودانية نفسها—رغم ظروف الحرب الداخلية—أعلنت موقفاً واضحاً يدين الاعتداءات التي استهدفت دول الخليج، وهو موقف يتسق مع تقاليد السياسة الخارجية السودانية التي ظلت تاريخياً حريصة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع محيطها العربي.

الاستثناء الوحيد في هذا السياق كان موقف الحركة الإسلامية السودانية وبعض منسوبيها، الذين عبّروا بصورة صريحة عن تأييدهم للموقف الإيراني، بل ذهب بعضهم إلى تبرير الضربات التي استهدفت دول الخليج. ولم يكن هذا الموقف مفاجئاً لمن يتابع تاريخ العلاقة بين الإسلاميين السودانيين والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ أوائل التسعينيات، حين شهدت العلاقات بين الخرطوم وطهران تقارباً سياسياً وأمنياً في ظل حكم الإسلاميين.

ولا يحتاج هذا التاريخ إلى إعادة سرد مطوّل، كما فعل الدكتور كمير، لأن تلك المرحلة معروفة وموثقة في الأدبيات السياسية والدبلوماسية. فقد شهدت تلك الفترة تعاوناً سياسياً وعسكرياً واضحاً، شمل مجالات التدريب العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية، في سياق عزلة دولية كان يعيشها النظام السوداني آنذاك.

غير أن النقطة الجوهرية هنا هي أن القوى السياسية السودانية الأخرى لم تسعَ إلى استغلال هذا الموقف لإقصاء الحركة الإسلامية، كما يوحي المقال. فالحقيقة أن الحركة الإسلامية—بمواقفها السياسية المنفصلة عن المزاج الوطني العام—هي التي تسهم في عزل نفسها عن بقية الطيف السياسي السوداني.

فالواقع السياسي في السودان اليوم يشير إلى أن معظم القوى السياسية منشغلة بقضية أكثر إلحاحاً بكثير من السجالات الإقليمية، وهي الكارثة الوطنية المتمثلة في الحرب المستمرة داخل البلاد. لقد أصبح الهمّ الأكبر للسودانيين، شعباً وقوى سياسية، هو وقف الحرب وإعادة بناء الدولة وإنقاذ المجتمع من الانهيار الشامل.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو الحديث عن “إقصاء سياسي” للحركة الإسلامية عبر توظيف الحرب على إيران أقرب إلى قراءة نظرية لا تجد سنداً قوياً في الواقع السياسي السوداني. فالقوى السياسية التي تواجه اليوم تحديات إنسانية وأمنية غير مسبوقة بالكاد تجد الوقت أو الدافع لتحويل حرب إقليمية إلى أداة في صراعها الداخلي.

أما مسألة تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً، فهي ليست نتاج سجال سياسي سوداني، بل قرار صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية ضمن سياسات مكافحة الإرهاب التي تتبعها الولايات المتحدة. ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه القرارات جدلاً سياسياً وقانونياً، لكنها في نهاية المطاف تعكس تقييمات مؤسسات دولية وليس مجرد رغبات خصوم سياسيين داخل السودان.

إن الإشكالية الحقيقية في النقاش السوداني ليست في “الإقصاء”، بل في محاولة بعض الأطراف إعادة تأهيل خطاب سياسي فقد الكثير من شرعيته بعد عقود من الحكم وما رافقها من أزمات سياسية واقتصادية عميقة.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد على نقطة مبدئية لا لبس فيها: إن رفض الاعتداء على سيادة الدول يجب أن يكون موقفاً ثابتاً لا يخضع للاصطفافات السياسية. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه الدبلوماسي، لا يمكنه أن يكون طرفاً في صراعات المحاور الإقليمية، بل مصلحته الحقيقية تكمن في سياسة خارجية متوازنة تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى إعادة توجيه النقاش السياسي نحو أولوياته الحقيقية: إنهاء الحرب، واستعادة الدولة، وبناء نظام سياسي قائم على التوافق الوطني. أما تحويل الصراعات الإقليمية إلى مادة للسجال الداخلي فلن يغيّر من موازين القوى في المنطقة، ولن يقرّب السودان خطوة واحدة من الخروج من أزمته التاريخية.

وفي هذا السياق، قد يكون من الأجدى أن ينصرف الجهد الفكري والسياسي إلى الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للسودانيين أن يوقفوا حربهم الداخلية ويؤسسوا لسلام دائم؟

فهذا هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مستقبل السودان، وليس موقعه في سجالات الصراع الإقليمي.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات