مهدي داود الخليفة
في مقاله المنشور بصحيفة القدس العربي بتاريخ 1 مارس 2026، دعا الدكتور الشفيع خضر سعيد إلى إحياء النشاط السياسي من داخل السودان، مؤكداً أن السياسة لا تُصنع في المنافي، بل في قلب المجتمع، وسط الناس، وتحت ضغط الواقع اليومي. وهي دعوة أجد نفسي مؤيداً لها من حيث المبدأ، لأن معركة استعادة الدولة المدنية لن تُحسم خارج حدود الوطن، بل في شوارعه وأحيائه ومؤسساته. غير أن هذه الدعوة، في ظل السياق الأمني الراهن، تطرح أسئلة عملية لا يمكن تجاوزها، وتتطلب مقاربة واقعية لا عاطفية.
لقد فرضت الحرب واقعاً مأساوياً دفع كثيراً من القيادات السياسية إلى مغادرة البلاد حفاظاً على الأرواح. لكن استمرار العمل السياسي من الخارج خلق فجوة عميقة بين القوى السياسية والمجتمع. فالميدان اليوم تشغله لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية التي تنظم الإغاثة والحياة اليومية في غياب الدولة. والمواطن المنهك لم يعد معنيّاً بكثافة البيانات بقدر ما يبحث عن الأمن والغذاء والدواء. كما أن جزءاً مقدّراً من الرأي العام يحمل النخب السياسية مسؤولية ما آلت إليه البلاد. لذلك فإن العودة ليست خطوة رمزية، بل إعادة تموضع أخلاقية وسياسية تستعيد بها الأحزاب مشروعيتها الشعبية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل البيئة القمعية المحيطة. فالقوى المؤيدة لحكومة الفريق عبد الفتاح البرهان، والمدعومة ببقايا النظام السابق و بعض المليشيات، قد تلجأ إلى البلاغات الكيدية، وتحريك مجموعات مسلحة لترويع القيادات المدنية، وربما تصفيات جسدية تحت غطاء الفوضى الأمنية، فضلاً عن استخدام قوانين فضفاضة واتهامات “التعاون” التي طالت حتى متطوعي التكايا. وقد شهدنا كيف تم قمع أول تظاهرة في أم درمان بعد انسحاب قوات الدعم السريع، وكيف تحولت بعض المحاكمات إلى أدوات ردع سياسي. وعليه، فإن أي دعوة للعودة يجب أن تُقرن بضمانات عملية وتدابير حماية، لا أن تُختزل في خطاب أخلاقي مجرد.
إن استعادة المجال العام تقتضي، قبل كل شيء، تفكيك عسكرة السياسة. فلا يمكن أن تزدهر حياة حزبية طبيعية في ظل تعدد الجيوش والمليشيات. المطلوب حظر العمل العسكري وحمل السلاح لكل التشكيلات غير النظامية، وقصر نشاط أي جماعة على العمل السياسي المدني السلمي، وإخضاع قادة المجموعات التي ارتكبت انتهاكات جسيمة للمساءلة القضائية، مع إعادة بناء جيش وطني مهني واحد بعيد عن السياسة. فالسلاح إذا ظل أداة تفاوض وابتزاز سيظل المجال العام رهينة له.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل لجان المقاومة وغرف الطوارئ تمثل بديلاً للأحزاب أم أنها تنظيمات ضغط مدنية؟ هذه الكيانات أدت أدواراً عظيمة في الإغاثة والتنظيم المجتمعي، لكنها في بنيتها أفقية لا هرمية، قاعدية لا سلطوية، رقابية وضاغطة لا ساعية للسلطة. تحويلها إلى أحزاب يتطلب تغييراً جذرياً في طبيعتها، وقد يفقدها ميزتها الأخلاقية واستقلالها. كما أن هناك عقبات قانونية وتنظيمية تحول دون تحولها الفوري إلى كيانات حزبية. الأرجح أن دورها الأمثل في هذه المرحلة هو أن تبقى قوة ضغط شعبية مستقلة تراقب المدنيين والعسكريين معاً، وتملأ الفراغ الإنساني، دون أن تُبتلع في بنية حزبية مأزومة.
غير أن النقد الموجه للأحزاب ليس ظلماً خالصاً. فالكثير منها يعاني اغتراباً فكرياً عن الواقع الاجتماعي، وصراعات داخلية مزمنة، وضعفاً في التجديد القيادي والمؤسسي، وعجزاً عن تقديم برنامج اقتصادي وإداري عملي لإدارة دولة ما بعد الحرب. والسؤال الصريح هو: هل تستطيع الأحزاب، بشكلها الحالي، قيادة مرحلة انتقالية معقدة؟ الإجابة تقتضي إصلاحاً ذاتياً عميقاً قبل التفكير في دمج الآخرين. ففاقد الشيء لا يعطيه، والإصلاح الفكري والتنظيمي شرط لاستعادة الثقة.
عملياً، يتطلب الأمر إصلاحاً حزبياً عبر مؤتمرات قاعدية وتجديد القيادات، واعتماد أشكال تنظيم مرنة ولا مركزية تقلل المخاطر الأمنية، وتوحيد حد أدنى وطني حول وقف الحرب والحكم المدني والعدالة الانتقالية، مع التكامل – لا الاحتواء – مع لجان المقاومة وغرف الطوارئ. كما أن الحماية الدولية عبر آليات مراقبة حقوقية بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وفرض عقوبات محددة الهدف على معرقلي العمل السياسي، ودعم مسار المساءلة بما في ذلك اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية عند ثبوت الجرائم الجسيمة، كلها عناصر تساهم في خلق بيئة أقل عدائية للعمل المدني.
صحيح أن العودة دون وقف إطلاق نار ومراقبة دولية قد تعرّض القيادات لمخاطر جسيمة، وصحيح أن توفير الخدمات الأساسية وحماية المواطنين وفق المعايير الدولية شرط ضروري لعودة واسعة ومستدامة. لكن الصحيح أيضاً أن ترك الساحة بالكامل للقوى المؤدلجة والمسلحة سيجعلها الطرف الأكثر تنظيماً وتأثيراً في مرحلة ما بعد الحرب. المعادلة ليست بين عودة آمنة وغياب كامل، بل بين مخاطرة محسوبة وموت سياسي بطيء.
وفي هذا السياق، فإن سماح نظام الفريق عبد الفتاح البرهان للقوى السياسية المدنية بالعودة والعمل العلني داخل السودان، مع توفير الحماية القانونية والأمنية لها، لا يُعد منّةً أو تنازلاً، بل اختباراً حقيقياً لمدى جدية السلطة القائمة في الالتزام بمسار انتقالي يفضي إلى حكم مدني ديمقراطي. فقد ارتكز خطاب قوات الدعم السريع على الادعاء بأنها تقاتل من أجل “استعادة الديمقراطية” ومنع عودة النظام القديم. غير أن فتح المجال العام أمام الأحزاب، ورفع القيود الأمنية، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، سيُضعف عملياً هذه الحجة، ويكشف التناقض بين الادعاء والممارسة لدى كل الأطراف المسلحة.
أي سلطة تدّعي حماية الدولة لا يمكن أن تخشى عودة السياسة إلى المجتمع. وأي حكومة تعلن التزامها بالانتقال المدني ينبغي أن تثبت ذلك عبر ضمان حرية التنظيم والتجمع السلمي، ووقف البلاغات ذات الطابع السياسي، وحماية القيادات المدنية من الاستهداف أو التشهير، وإعلان جدول زمني واضح لمرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات حرة. فالمعركة اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضاً معركة سرديات وشرعية. والطرف الذي يفتح المجال العام أمام العمل المدني المنظم، تحت رقابة وطنية ودولية، سيكون الأقدر على نزع الذرائع من خصومه واستعادة ثقة الداخل والخارج.
إن تمكين القوى السياسية من العمل داخل السودان، دون تمييز أو انتقائية، سيبعث برسالة واضحة إلى الشعب وإلى المجتمع الدولي بأن الدولة تتجه نحو تسوية سياسية شاملة لا نحو تكريس حكم الأمر الواقع. أما استمرار التضييق فسيُبقي المجال مفتوحاً أمام عسكرة الخطاب، وتعميق الانقسام، وإطالة أمد الحرب تحت شعارات متناقضة.
استعادة المجال العام ليست مجرد عودة جغرافية، بل معركة فكرية وتنظيمية وأخلاقية ضد عسكرة السياسة. الأحزاب مطالبة بإصلاح نفسها، ولجان المقاومة مطالبة بالحفاظ على استقلالها، والمجتمع الدولي مطالب بتحويل بياناته إلى ضمانات فعلية. فالشرعية لا تُستورد من الخارج، لكنها أيضاً لا تُبنى تحت فوهة البندقية. إنها لحظة اختبار: إما أن تستعيد السياسة موقعها الطبيعي في قلب الوطن، أو يستمر السلاح في ابتلاع ما تبقى من الدولة.
