الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان صراع الوجود بين جحيم الفوضى المسلحة ويوتوبيا القانون ...

السودان صراع الوجود بين جحيم الفوضى المسلحة ويوتوبيا القانون بقلم: أمين أحمد ود الريف.


كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة…
بهذه الثنائية الجدلية التي استهل بها تشارلز ديكنز ملحمته A Tale of Two Cities، يمكننا قراءة المشهد السوداني الراهن. السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب أهلية، بل هو مختبر وجودي تتصارع فيه حكمة التشبث بالدولة ككيان ناظم، وحماقة الانزلاق نحو التفتت المليشياوي.
من الخرطوم إلى دارفور
لم تكن استباحة الخرطوم وود مدني مجرد تحرك تكتيكي؛ بل كانت عملية جراحية استهدفت استئصال الهيبة البنيوية للدولة. في هذه الحواضر، تحول المجال العام إلى فضاء مستباح، حيث تمارس ميليشيا الدعم السريع نمطاً من السيطرة يهدف إلى تفكيك “عقد الدولة الاجتماعي. وفي دارفور—الفاشر، نيالا، الضعين، والجنينة—تجاوز العنف حدود الصراع السياسي ليتحول إلى هندسة ديموغرافية قسرية، حيث يُستخدم السلاح كأداة لمحو الهوية وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي على أنقاض النسيج المجتمعي. والعصب المتبقي
في مقابل هذا التآكل، برزت مدن الشمال والشرق لا كجغرافيا بديلة، بل كـ “عمود فقري” سياسي واجتماعي يحمل رفات فكرة الدولة. هنا، يتحول “الميدان” من ساحة اشتباك عسكري إلى ساحة تقرير مصير؛ فالانتصار الميداني في هذا السياق هو “الشرعية الأخلاقية” الوحيدة القادرة على دحض المؤامرات الدولية التي تسعى لشرعنة البندقية المنفلتة.

لكن النصر العسكري، رغم ضرورته الوجودية، يظل منقوصاً ما لم يصحبه انقلاب مفاهيمي في “عقلية الحكم”. المواطن السوداني اليوم لا يطالب بوقف إطلاق النار فحسب، بل يطالب بقطيعة راديكالية مع “النمط الاستثماري” للسلطة.
إن “عصر الحكمة” السوداني لن يكتمل إلا بتحويل الدولة من غنيمة لشبكات الفساد وتجار الحروب إلى “حكومة خادمة. إن استعادة الدولة كإطار قانوني وأخلاقي تتطلب تفكيك شبكات النفوذ
التي حولت الخدمة العامة إلى إقطاعيات
كشرط أساسي لترميم الثقة بين المواطن
واستبدالها بعقلية الواجب المهني والمواطنة المتساوية.
السودان اليوم يقف أمام خيارين صفريين: إما الاستسلام لنمط “الفوضى المنظمة” الذي تفرضه الميليشيا ومن يدعمها من قوى تبحث عن مصالحها فوق جثث الدولة، أو العبور نحو دولة المؤسسات عبر بوابة الحسم المؤسسي والميداني.
إن المعركة الحقيقية ليست على التضاريس، بل على “ماهية الدولة السودانية”. هل ستكون دولة القانون التي تصون كرامة الفرد، أم ستظل رهينة لعقليات التفكير الاستثماري في السياسة الإجابة تكمن في قدرة القوى الوطنية على تحويل هذا الألم التاريخي إلى فجر واقع ينهي شتاء القنوط الطويل، ويؤسس لجمهورية المواطنة التي لا تقبل المساومة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات