الإثنين, فبراير 23, 2026
الرئيسيةمقالاتمهد الحروفد. ...

مهد الحروفد. رمضان بين المائدة والوعي الاستهلاكي هيثم حسن عبد السلام (خبير شؤون المستهلك)


في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدل عاداتنا الغذائية كما تتبدل ساعات يومنا. تمتد موائد الإفطار، وتتنوع الأصناف، وتزداد الرغبة في إكرام الأسرة والضيوف بما لذّ وطاب. غير أن هذه الروح الكريمة قد تنقلب – دون قصد – إلى سلوك استهلاكي مثقل بالمبالغة، ينتهي بإهدار كميات معتبرة من الطعام، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى حسن التدبير.
المفارقة أن شهر الصيام، الذي يُفترض أن يعمّق فينا قيمة الإحساس بالآخرين، يشهد أحيانًا أعلى معدلات الهدر الغذائي. أطباق تُعدّ بكميات تفوق الحاجة، ومشتريات تتجاوز التخطيط، وأصناف تُشترى بدافع اللحظة لا بدافع الضرورة. والنتيجة: طعام يُلقى في النفايات، وميزانية تُستنزف، ونعمة لا يُحسن تقديرها.
وفي السياق السوداني الراهن، تتضاعف خطورة هذا السلوك. فالمستهلك السوداني يواجه ضغوطًا اقتصادية قاسية؛ ارتفاعًا في الأسعار، وتذبذبًا في الإمدادات، وتحديات معيشية ألقت بظلالها على غالبية الأسر. كثير من العائلات بالكاد توفّر احتياجاتها الأساسية، فيما تعتمد أخرى على الدعم المجتمعي وسلال الخير. في ظل هذه الظروف، يصبح ترشيد الاستهلاك ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة حياتية.
إن التخطيط المسبق للوجبات يمثل أول خطوة في طريق الحد من الهدر. إعداد جدول أسبوعي بسيط، بالتشاور مع أفراد الأسرة، يحدد طبقًا رئيسيًا متوازنًا لكل يوم، كفيل بتقليل الفائض وضبط المصروفات. كما أن إعداد قائمة مشتريات واضحة قبل الذهاب إلى السوق يمنع الانسياق وراء العروض أو الرغبات الآنية التي لا تعكس حاجة حقيقية.
ومن المهم كذلك تجنب التسوق أثناء الجوع، لأن الجوع – كما أثبتت التجربة – يدفع إلى شراء كميات أكبر من المطلوب. أما عند الطهي، فالأولى تقدير الكميات بما يتناسب مع عدد الأفراد، مع مراعاة أن الكثيرين لا يفضلون تناول بقايا الطعام في اليوم التالي.
غير أن الفائض، إن حدث، لا ينبغي أن يكون مصيره سلة المهملات. يمكن تخزينه بطريقة صحيحة داخل أوعية محكمة في الثلاجة، أو إعادة توظيفه في إعداد وجبات خفيفة للسحور. كما يمكن أن يتحول إلى باب أجر عبر التبرع به للأقارب أو الجيران أو الأسر المتعففة، خاصة في الأحياء التي تضررت من ظروف الحرب وفقدان مصادر الدخل.
ولعل من أبهى صور التكافل أن تتحول المائدة من مساحة استعراض إلى مساحة مشاركة؛ دعوة الأهل والأصدقاء بين حين وآخر لا تستهلك الطعام فحسب، إنما تعيد للرمضان روحه الاجتماعية الدافئة.
إن معركة الوعي الاستهلاكي تبدأ من المطبخ، ومن قرار بسيط تتخذه ربة المنزل أو رب الأسرة: هل نطهو بقدر الحاجة أم بقدر العادة؟ رمضان ليس موسمًا للإفراط، بل مدرسة للانضباط، وفرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا. وبين نعمة الطعام ومسؤولية الحفاظ عليها، يتشكل وعي مجتمع بأكمله.
كلنا يمكننا الإسهام في صناعة سلوك، وأن السلوك الواعي هو أول الطريق نحو مستهلك سوداني أكثر مسؤولية… وأكثر أمانًا…ورمضان كريم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات