إنّ ما حدث في مكتب أراضي محلية الخرطوم في واقعةٍ مؤلمةٍ تكشفت خلالها هشاشة الحماية المؤسسية للموظف العام، إذ تعرّض مدير أراضي محلية الخرطوم وهو أحدُ العاملين بالدولة – المشهود له بين زملائه بالأمانة والنزاهة – لإساءةٍ واعتداءٍ معنويٍّ من مسؤولين يفترض أنهم حراسُ القانون لا خصومُه. فقد بدأت القصة داخل أروقة أراضي محلية الخرطوم، حيث صدر التعسف من أمين عام حكومة ولاية الخرطوم بحضور عضو مجلس السيادة السابقة د. سلمى عبد الجبار والذي يفترض أن يكون قدوةً في الانضباط والعدل، ثم اكتملت فصولها بإهانةٍ علنية منه بالتوبيخ والطرد والتوعد نعم التوعد وهو الذي كان الأجدر به أن ينصف مرؤوسه، لا أن يوبخه أمام زملائه ويطرده وكأن الكرامة الوظيفية رفاهيةٌ يمكن التنازل عنها.
إننا لا نذكر الأشخاص تشهيرًا، بل نسائل المواقع وشاغليها فمدير أراضي محلية الخرطوم مسؤولٌ بقدر ما يحمل من سلطة، وأمين عام الحكومة ليس موظفًا عاديًا بل هو عنوانُ هيبة الدولة في أعين العاملين. فإذا انقلب العنوان إلى مصدر رهبةٍ لا عدل فيها، فكيف يُطلب من الموظف أن يبدع، وأن يبذل، وأن يقف شامخًا أمام ضغوط الواقع؟
وسؤالنا الأكبر يتجاوز الأفراد إلى المؤسسات: أين وزارة العمل؟ وأين ديوان شؤون الخدمة؟ أليست هذه الجهاتُ وُجدت لتحمي الموظف من عسف السلطة، ولتصون كرامته حين تختل موازين القوة؟ لماذا لم يُفتح تحقيقٌ شفاف؟ ولماذا لم يصدر بيانٌ يُطمئن العاملين بأن كرامتهم مصونة، وأن القانون فوق الجميع؟ إن الصمت في مثل هذه المواقف ليس حيادًا؛ بل موقفٌ ضمنيٌّ يُفسَّر عند الناس على أنه رضىً أو تواطؤ.
لقد شهد الجميع لهذا الموظف بالنزاهة. ولم يكن تمسكه بمهنيته إلا محاولةً لصون المال العام، ومواجهة الصلف الإداري بما يملكه من ضميرٍ حي. فهل يُكافأ من يقف في وجه التجاوزات بالتوبيخ والطرد؟ أم يُحفَّز ويُكرَّم ليكون نموذجًا يُحتذى؟ إن الدول التي تحترم نفسها تحتفي بأمثال هؤلاء، لأنها تعلم أن الأمانة رأس مالها الحقيقي.
وأين والي الخرطوم من هذا كله؟ إن الولاية ليست لقبًا شرفيًا، بل مسؤوليةٌ ثقيلة. وقد جاء في الحديث الصحيح إن الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته. فهل وصلت الرسالة؟ وهل فُتح بابُ المراجعة والمساءلة؟ أم أن الأمر سيُطوى كما طُويت قبله قضايا كثيرة، حتى صار الظلم خبرًا معتاداً لا يثير إلا زفرةً مكتومة؟
إن أخطر ما في هذه الواقعة أنها تبعث رسالةً سلبية لكل موظف شريف ، مفادها أن الاستقامة قد تُكلفك عزتك، وأن التمسك بالقانون قد يجر عليك سخط المتنفذين. وهذه رسالةٌ إن استقرت في النفوس، فستقوض ما تبقى من ثقةٍ في مؤسسات الدولة.
لسنا نطلب انتقامًا، بل نطالب بعدلٍ علنيٍّ يعيد الأمور إلى نصابها. نطالب بتحقيقٍ مهنيٍّ مستقل، ومحاسبةٍ واضحةٍ لكل من أساء استخدام سلطته، وردِّ اعتبارٍ لموظفٍ لم يطلب سوى أن يؤدي واجبه بأمانة. فالهيبة الحقيقية لا تُبنى بالصوت العالي، ولا بإظهار القسوة أمام المرؤوسين؛ بل تُبنى بالعدل، وبحماية الضعيف، وبالوقوف إلى جانب الحق ولو كان مُرًّا.وإن الدول تُقاس بقدرتها على حماية صغار موظفيها قبل كبار مسؤوليها. فإذا عجزت عن ذلك، فقدت روحها وإن بقيت هياكلها.
فإلى الله المشتكى، وهو خير الحاكمين.
