بقلم: أمين أحمد “ودالريف”
حين اكتمل الفيلم التوثيقي «بربر… قصة تنمية رغم الحرب» في أكتوبر الماضي، لم يكن مجرد تسجيل لإنجازات خدمية، بل قراءة ميدانية لتجربة محلية قررت أن تبني في أكثر الأوقات اضطرابًا. الفيلم يتناول بربر كمحلية بكامل جغرافيتها، من الضفتين إلى الجزر النيلية والقرى الممتدة بين الجبال والوديان، مقدّمًا صورة شبكة خدمات تتحرك على الأرض لا خطابًا يُلقى من منصة.
خلال عشرين دقيقة، رافقت الكاميرا المدارس وأعمدة الكهرباء ومحطات المياه وغرف العمليات الجراحية، وسارت وسط الحقول ومواقع العمل. أحاديثنا مع الأهالي جرت أثناء التصوير، في قلب المشروعات، ما أضفى على السرد صدقية ميدانية. التنمية هنا لا تُعرض كبيان رسمي، بل كحياة يومية تتغير تدريجيًا.
تحليليًا، يطرح الفيلم بربر كنموذج لـ«استمرار الخدمة» في زمن الحرب. التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة والمياه تُقدَّم كمنظومة مترابطة هدفها تثبيت الاستقرار الاجتماعي. غير أن القيمة الاستراتيجية لا تكمن في حجم التنفيذ، بل في قدرة المحلية على تحويل هذا الزخم إلى مؤسسية راسخة.
في التعليم، يظهر التركيز على التوسع وإعادة تأهيل البيئة الدراسية باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري. لكن المرحلة المقبلة تتطلب نظام معلومات تعليمي دقيق، وآليات قياس جودة، وربط التخطيط بالبيانات لا بالاستجابة الظرفية. وفي الصحة، يعكس انتشار الخدمات وحلول الطاقة البديلة قدرة على الابتكار، إلا أن الاستدامة ستعتمد على إدارة الصيانة، واستقرار الكوادر، وكفاءة التشغيل.
الكهرباء والمياه يمثلان محور الفرص الاقتصادية. توسيع الشبكات يعيد رسم الخريطة الإنتاجية للمحلية ويفتح مجالًا للاستثمار الزراعي والتعديني. لكن النجاح لن يتحقق تلقائيًا؛ المطلوب هو الانتقال من منطق التوصيل إلى منطق إدارة الشبكات، عبر أنظمة رقابة وصيانة، وتطوير قدرات فنية محلية قادرة على الاستجابة السريعة.
استراتيجيًا، تملك بربر فرصة للتحول إلى عقدة خدمية إقليمية مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها المتنامية، شرط أن تُعزز شراكاتها مع القطاع الخاص والمجتمع، وأن تؤسس وحدة فعالة لإدارة المشاريع تعتمد معايير حوكمة واضحة وتقييم أداء دوري. كما أن بناء نظام إنذار مبكر متعدد المخاطر، خاصة في ما يتعلق بالسيول والتقلبات البيئية، سيحمي الاستثمارات ويعزز ثقة المواطنين.
الفيلم ينجح في توثيق لحظة إرادة جماعية؛ إدارة اختارت الفعل، ومجتمع تفاعل مع مسار التنمية. لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل ستتحول هذه التجربة إلى نموذج مستدام قائم على التخطيط والشفافية وإدارة المخاطر، أم تبقى استجاب�
