كتب/ مصطفى بشير عيسى
في اللحظات التي تبدأ فيها الدول التقاط أنفاسها بعد الحرب، تكون المعركة الأخطر هي معركة النزاهة. فمرحلة إعادة الإعمار لا تحتمل شبهة، ولا تسمح بظلال رمادية. وإذا كانت الخرطوم وبعض المدن قد بدأت تستعيد عافيتها، فإن الثقة العامة لن تُبنى إلا على أساس الشفافية الصارمة.
التقارير المتداولة حول إيجارات بمبالغ دولارية مرتفعة لمقار وزارية – إن صحت – تمثل جرس إنذار مبكر. الحديث عن استئجار ثلاث شقق لوزارة سيادية بمبالغ تتجاوز ألفي دولار شهرياً، أو تمرير قرارات دون علم كامل لمؤسسات الاختصاص، يضعنا أمام سؤال أخلاقي قبل أن يكون قانونياً: هل نعيد الإعمار أم نعيد إنتاج مراكز نفوذ جديدة؟
تصريحات عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر بشأن مخالفات مالية أحيلت إلى المراجع العام تفتح الباب لمحاسبة جادة، لا لتبادل الاتهامات. كما أن موقع رئيس الوزراء كامل إدريس يفرض عليه أن يكون جزءاً من أي معالجة حاسمة، لأن معركة الفساد لا تُدار بالبيانات بل بالقرارات.
المطلوب اليوم ليس سجالاً سياسياً، بل خطوات مؤسسية واضحة:
تأسيس هيئة مستقلة لمكافحة الفساد بصلاحيات كاملة في التحقيق والمساءلة.
إخضاع كل عقود الإيجارات والمشتريات الحكومية لمراجعة فورية وعلنية.
أن تتم أي تعاقدات عبر لجان مختصة وبمعايير سعرية معلنة، لا بقرارات فردية.
نشر نتائج المراجعة للرأي العام دون انتقائية.
مرحلة ما بعد الحرب ليست فرصة لتصفية الحسابات، لكنها أيضاً ليست مساحة مفتوحة لصغار النفوس لاستغلال هشاشة الدولة. من ضحّوا بأرواحهم من أجل هذه اللحظة لم يفعلوا ذلك ليحل فساد جديد محل الفوضى القديمة.
بناء دولة راشدة يبدأ من بتر الفساد في مهده.
والحسم اليوم هو الضمان الوحيد لعدم ولادة “مافيا إعمار” غداً.
السودان أمام اختبار أخلاقي كبير:
إما أن تكون إعادة البناء بداية عهد الشفافية…
أو تتحول إلى بوابة لفساد أكثر تعقيداً.
