كتب: محمد حسن سفيان
استكمالا لرؤية استهداف موسمي العمرة والحج بالمنتجات الزراعية السودانية تبرز رؤية استراتيجية جريئة، تسعى لكسر طوق الأزمات المتلاحقة عبر بوابة “الاقتصاد الحقيقي” والمستدام. هذه الرؤية تضع ولايتي نهر النيل والشمالية في قلب معادلة الأمن الغذائي القومي، ليس عبر التوسع التقليدي، بل من خلال “ثورة في البنية التحتية للري” تعتمد على بناء سلسلة من القناطر الحديثة على نهري النيل وعطبرة.
ماهي القناطر: هي منشآت هندسية مائية مبنية من الحجارة أو الخرسانة، تتكون من هيكل مقوس يُستخدم للتحكم في تدفق مياه الأنهار، وتنظيم الري، وتوزيع المياه على الترع، كما تُستخدم كمعابر وجسور. تعد القناطر الخيرية في مصر أبرز مثال، حيث أنشأها محمد علي باشا لتغذية دلتا النيل.
وتمثل هذه الرؤية انتقالاً محورياً في العقلية التنموية السودانية، من التعامل مع النيل كمجرد ممر مائي أو مصدر للطاقة، إلى توظيفه كـ”شريان حياة زراعي” بأقصى طاقته، لإنهاء مفارقة “العطش بجوار النيل” التي عانت منها أراضي الشمال الخصبة لعقود.
هندسة المياه.. فلسفة “القناطر”
تستند الرؤية المقترحة على حقيقة جغرافية وهندسية بسيطة ولكنها حاسمة: تمتلك الولايتان الشماليتان مساحات شاسعة من الأراضي المسطحة والخصبة (تُقدر بملايين الأفدنة) التي تمتد بعيداً عن ضفتي النهرين، ولكنها تقع في مناسيب أعلى قليلاً من مستوى المياه الطبيعي، مما يجعل ريها بالطلمبات مكلفاً وغير اقتصادي للمشاريع الكبرى.
هنا تأتي “فلسفة القناطر”. فبخلاف السدود والخزانات الكبرى (مثل مروي أو الرصيرص) التي تهدف لتخزين المياه وتوليد الكهرباء، تهدف القناطر المقترحة إلى “رفع مناسيب المياه” أمامها ببضعة أمتار فقط. هذا الارتفاع المحسوب هندسياً يكفي لدفع المياه عبر ترع رئيسية عملاقة، لتنساب بعد ذلك بفعل الجاذبية الأرضية (الري الانسيابي) لتروي مساحات شاسعة في العمق الصحراوي بتكلفة تشغيلية شبه معدومة مقارنة بالوقود أو الكهرباء.
نهر عطبرة.. الضلع الاستراتيجي الثاني
لا تكتفي الرؤية بنهر النيل الرئيسي فحسب، بل تضع “نهر عطبرة” كركيزة أساسية. فبعد قيام مجمع سدي “أعالي عطبرة وستيت”، أصبح جريان هذا النهر (الذي كان موسمياً) أكثر انتظاماً.
وتقترح الرؤية بناء قناطر تحويلية على مجرى نهر عطبرة في ولاية نهر النيل، للاستفادة من طمي النهر الغني وري سهول واسعة في مناطق شرق عطبرة والدامر وبربر وابوحمد وصولاً إلى تخوم الولاية الشمالية، مما يخلق تكاملاً مائياً فريداً بين النهرين.كما يمكن بناء قناطر اخري شمال مدينة عطبرة وتحديدا عند منطقة مشروع زادي1 بذلك يكون مشروع زادي1 اعتمد علي ارتفاع مستوي النيل والاعتماد علي الري الانسيابي بديلا ل (32 طلمبة سحب من النيل) وما يصاحبها من زيادة تكاليف في الوقود والكهرباء او الصيانة. وأيضا يتم بناء قناطر عند منطقة جبل ام علي لري الضفة الغربية من النيل
العائد الاقتصادي.. أرقام فلكية
يرى الخبراء أن تنفيذ هذه المنظومة من القناطر لن يغير وجه الشمال فحسب، بل سيغير هيكل الاقتصاد السوداني بأكمله:
1. زراعة القمح الاستراتيجية: المناخ البارد نسبياً في الشتاء شمالاً يجعله البيئة المثالية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، إذا توفر الري المستدام والرخيص مع امتلاك التقانات الزراعية الحديثة.
2. محاصيل الصادر ذات القيمة العالية: التوسع الهائل في زراعة النخيل (تمور فاخرة)، والموالح، والمحاصيل البستانية الموجهة للتصدير.
3. التصنيع الزراعي: هذه المساحات الشاسعة ستجذب استثمارات ضخمة لإقامة مصانع تعليب وتجفيف وتغليف في مواقع الإنتاج.
- توفير الاف من فرص العمل : توفر العديد من الاعمال المصاحبة عندما تدور عجلة الإنتاج والصناعة مما يضاعف القيمة المضافة.
بوابة السودان نحو العالم
تكتسب هذه الرؤية بعداً استراتيجياً إضافياً من الموقع الجغرافي للولايتين. فالشمالية ونهر النيل هما الأقرب لموانئ التصدير على البحر الأحمر، وهما البوابة البرية نحو الأسواق المصرية والعربية.
إن تحويل الشمال إلى سلة غذاء عبر “منظومة القناطر” يعني تقليل تكلفة النقل للموانئ، وسرعة الوصول للأسواق الخارجية، مما يمنح المنتج السوداني ميزة تنافسية كبرى.
الرهان على المستقبل
هذه الرؤية لبناء القناطر وشق الترع الرئيسية يتطلب تمويلاً ضخماً وإرادة سياسية حديدية. لكن من المؤكد أن تكلفة “اللا فعل” واستمرار استيراد الغذاء أعلى بكثير. إنها رؤية لمشروع قومي جامع، يعيد هندسة جغرافيا السودان لصالح إنسانه، ويؤسس لاقتصاد لا يهتز بتقلبات السياسة، لأنه مزروع في الأرض ومروي بماء النيل.
