مهدي داود الخليفة
هل لعبت زيارة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك إلى أوروبا دورًا في تشكيل المزاج الأوروبي تجاه المشهد السوداني؟ سؤال يفرض نفسه بقوة في ضوء التفاعل الذي حظيت به تحركات القوى المدنية في الخارج. فمن الواضح أن هذه التحركات أعادت طرح سؤال البديل السياسي، وذكّرت العواصم الأوروبية بأن هناك فاعلين مدنيين يسعون لاستعادة مسار التحول الديمقراطي. لا يعني ذلك أن أوروبا حسمت موقفها ضد الحكومة القائمة، لكنها بالتأكيد لم تعد ترى في “حكومة الأمر الواقع” المعبّر الوحيد عن السودان. فالسياسة الأوروبية، بطبيعتها، تميل إلى الاستثمار في المسارات المدنية طويلة الأمد، حتى وإن اضطرت – بحكم الواقعية السياسية – إلى التعامل مع السلطات القائمة.
في هذا السياق، لا تُقرأ مسألة إدراج رئيس الوزراء السوداني ضمن المتحدثين في جلسة دولية رفيعة من زاوية الحضور الشكلي وحده، بل من زاوية مضمون الخطاب والرسائل التي تصل إلى المجتمع الدولي. فالدعوة للحديث لا تعني تثبيتًا نهائيًا للشرعية، كما أن طريقة تنظيم المنصات وترتيب المتحدثين تحمل في العرف الدبلوماسي دلالات لا يمكن إغفالها.
Munich Security Conference ليس مؤتمرًا بروتوكوليًا تقليديًا، بل منصة تُنتقى فيها الأصوات وفق اعتبارات سياسية واستراتيجية دقيقة. وترتيب المتحدثين في جلسة بعنوان “ثلاث سنوات من الدمار: إنهاء الحرب في السودان” يعكس – في الغالب – تصور الجهة المنظمة لمن تعتبرهم أطرافًا فاعلة أو مؤثرة في مسار الحرب أو في جهود إنهائها.
وعندما يُدرج في الجلسة وزراء خارجية ودبلوماسيون من دول فاعلة إقليميًا ودوليًا إلى جانب ممثل الحكومة السودانية، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: هل حضر السودان؟ بل: ماذا قال السودان؟ وهل قدّم ما يُقنع الحضور بأن لديه رؤية متكاملة لإنهاء الحرب؟
لقد مُنح رئيس الوزراء فرصة مباشرة لمخاطبة جمهور أوروبي يضع البعد الإنساني للأزمة في مقدمة اهتماماته. غير أن المداخلة – رغم رمزيتها – كشفت عن غياب خطة واضحة المعالم. فعندما طُرح السؤال الجوهري: ما هي خطة الحكومة للسلام؟ لم يُقدَّم تصور تفاوضي محدد، ولا جدول زمني، ولا خارطة طريق عملية. ظل الخطاب في دائرة العموميات، بينما كان المطلوب تحديد الآليات: كيف سيتم ذلك؟ مع من؟ وتحت أي ضمانات؟
وعند تناول مسألة الهدنة الإنسانية بوصفها مدخلًا عاجلًا لإيصال الإغاثة إلى ملايين المتضررين، بدا الموقف رافضًا لفكرة الهدنة ذاتها، مع توصيف الحرب بأنها مواجهة مع “مرتزقة قادمين من كولومبيا وغيرها”. قد يعكس هذا التوصيف مقاربة أمنية للصراع، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي يشغل العواصم الأوروبية: كيف تُفتح الممرات الآمنة الآن؟
كما أشار رئيس الوزراء إلى تثمين المبادرة الثلاثية المقدمة من الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية، وأبدى استعدادًا للجلوس مع دولة الإمارات العربية المتحدة إذا أبدت استعدادًا لوقف دعمها للدعم السريع. غير أن هذه المواقف جاءت في إطار ردود أفعال سياسية، لا ضمن خطة متكاملة تتضمن مسارًا تفاوضيًا، وضمانات تنفيذ، ورؤية واضحة لانتقال سياسي ينقل البلاد من منطق الحرب إلى منطق التسوية.
الأكثر حساسية كان التكرار المتعدد للالتزام بقوانين الأمم المتحدة، في حين أن مسيرته السابقة داخل المنظمة الدولية – والتي انتهت باستقالته من منظمة الملكية الفكرية – تظل جزءًا من صورته في الأوساط الدبلوماسية. وفي محفل يضم خبراء ومسؤولين يتابعون السيرة المهنية بدقة، يصبح اتساق الخطاب مع التاريخ المؤسسي عنصرًا حاسمًا في بناء المصداقية.
الأهم من سؤال التمثيل هو سؤال الفاعلية: هل تُنظر إلى الحكومة الحالية باعتبارها جزءًا من الحل، أم جزءًا من الأزمة، أم مجرد طرف من أطرافها؟ شكل المشاركة في المؤتمرات يمنح إشارات، لكن المضمون هو الذي يصنع الانطباع النهائي. في العرف الدولي، المنصة تُمنح لمن يُعتقد أنه يملك مفتاحًا، لا لمن يحمل صفة رسمية فحسب.
إذا كان السودان حاضرًا في القاعة، لكنه غائب عن تقديم رؤية مقنعة، فإن المسألة لا تتعلق بالبروتوكول وحده، بل بميزان القوة والشرعية وصناعة القرار حول السودان في المحافل الدولية. وفي الدبلوماسية الحديثة، لا يكفي إعلان الرغبة في السلام؛ المطلوب استراتيجية سياسية واضحة المعالم. وعندما تُتاح المنصة ولا تُستثمر في تقديم خطة متكاملة، فإن الرسالة التي تصل – مهما حسنت النوايا – هي أن الدولة لا تزال تدير الحرب أكثر مما تدير السلام.
