✍🏼خالد الضبياني
في اليوم العالمي للإذاعة لا نحتفل بوسيلة إعلام فحسب، بل نقف احترامًا لصوتٍ شكّل وجدان أمة ورافق السودانيين في أفراحهم وأحزانهم في بيوتهم وحقولهم وأسفارهم ذلك الصوت الذي ما إن يُقال: (هنا أم درمان)حتى يستقيم السمع ويطمئن القلب.الإذاعة السودانية لم تكن يومًا مجرد أثير بل كانت مدرسة وطنية مفتوحة، تعاقبت عليها أجيال من القامات الإعلامية التي صنعت الهيبة قبل الشهرة، والرسالة قبل المايكروفون. مرّ من هنا روّادٌ حملوا اللغة بوقار واللهجة بصدق والوطن في الحنجرة لا في الشعارات.هنا تعلّم المستمع كيف يبدأ صباحه مع البرامج الصباحية التي كانت تضبط الساعة على إيقاع السودان، وتعرّف على همومه عبر البرامج الاجتماعية وضحك من القلب مع المساحات الخفيفة التي كانت (تداوي بالبسمة)دون ابتذال.
وهنا أيضًا جلس الناس حول الراديو في مواعيد ثابتة مع برامج صارت جزءًا من الذاكرة الجمعية.برامج تُنتظر كما تُنتظر الرسائل القديمة، وتُحفظ عناوينها كما تُحفظ الأغاني الخالدة.الإذاعة السودانية عرفت الفن قبل أن يعرف المنصات قدّمت الأصوات الجديدة، وأنصفت الكبار وكانت بوابة عبور لكثير من المبدعين في الغناء والشعر والدراما. من استديوهاتها خرجت الأغنية السودانية مرتبة الشعر واضحة النطق سودانية الملامح.. لا تستأذن أحدًا لتكون نفسها.والجميل في (هنا أم درمان)أنها رغم تعاقب السنين وتبدّل التقنيات، لم تفقد روحها ما زالت قريبة بسيطة تشبه الناس وتخاطبهم بلا تكلف. إذاعة تعرف متى تكون جادة، ومتى تمازح المستمع (مزحة خفيفة بوزن الوطن).في اليوم العالمي للإذاعة التحية لكل من مرّوا من هنا مذيعين، معدّين، مخرجين، مهندسي صوت، وموظفين خلف الكواليس أولئك الذين لم تُعرف أسماؤهم دائمًا، لكن عُرفت بصمتهم.
والتحية لميكروفونٍ صدح بالحقيقة، ولإذاعةٍ كانت ولا تزال ذاكرة وطن تتكلم.هنا أم درمان .. صوت إذا غاب ضجّ الصمت وإذا حضر حضر السودان كله نعم، إنها هنا امدرمان الإذاعة السودانية.
