الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتندى الحروف... ...

ندى الحروف… بين تساب النيل وتساب الدم كتب/ ابراهيم محمد نور


يتسّب النيل، يفيض ويغرّق الجروف، كثيرًا ما رأينا مياهه تهدر بلا توقف، تصطدم بالحواجز، وتتسلل إلى كل فجوة، تهدر كنبض الأرض نفسها، تحمل الطمي والخصب، وتمحو الخطوط القديمة على التربة.
صباح كل قرية على الضفاف، شرقًا بالقاش ووسطًا وشمالًا بالنيل، عاشت هذا التساب، شعرنا بجبروته وجماله في آنٍ واحد، فالعطاء مختلط بالخوف، والحياة تتماوج مع الانكسار.
لكن ما يوجع أكثر من ذلك، هو تسابٌ آخر لا ينقطع تدفّق الدم السوداني.
كما فاض النيل وملأ الضفاف، فاض الدم حين ضاقت البلاد بأهلها.
صوت الدم لا يهدر وحده، بل يهمس في الطرقات، يصرخ في البيوت، ويطرق قلوبنا طرقًا موجعًا.
لا يحمل خصبًا ولا إنذارًا، بل فقدًا لا يُنسى وحزنًا لا يُعالج، وندوبًا باقية في كل مكان.
في القرى التي غرقتها مياه النيل، عادت البيوت للوقوف، وعادت الأرض لتستقبل الزرع بعد انحسار الفيضان.
أما القلوب التي غرقتها الدماء، فلا إعادة ممكنة، ولا استرجاع.
الجروف تعود كما كانت، الأرواح لا تُسترد، والذكريات تتأرجح بين حنين وبكاء.
نحن واقفون اليوم بين فيضانين
واحد انتهى موسمه، وسيعود ثم ينتهي،وآخر مستمر بلا توقف.
بين هدير المياه وصمت الدم، نسأل أنفسنا، متى سينتهي تدفّق الدم كما انتهى تساب النيل؟
ومتى ستصبح الأرض موطنًا للحياة، بدلًا من أن تكون مسرحًا للوجع؟
النيل يعلّمنا الصبر، ويعلّمنا كيف نزرع ونحصِد.
أما البشر أحيانًا، فيعلّمون الأرض والشعوب كيف يكون الألم بلا نهاية.
بين هذين الفيضانين، يبقى التساب شاهدًا على قوة الطبيعة والحياة،
وشاهدًا في المقابل على قسوة الإنسان وقدرته المؤلمة على تدمير ما بين يديه.
رحم الله الشهداء جميعًا، وجعل دماءهم الطاهرة نورًا لا يضيع.
والتحية لشرفاء الجيش، رمز الصمود وحماة الأرض والعرض،
أولئك الذين يقفون في وجه تساب الدم ليبقى للوطن ما يستحق الحياة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات