الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتعصام حسن علي يكتب ردود الفعل الشعبية في السودان: دعم واسع للبرهان رغم العقوبات الدوليةصُنع في نهر النيل ..اقتصاد يُربك الحرب ويحرج التقاعس بقلم/ د. إسماعيل...

صُنع في نهر النيل ..اقتصاد يُربك الحرب ويحرج التقاعس بقلم/ د. إسماعيل الحكيم (1-2)



أن يُختزل حديث الدولة في زمن الحرب على البندقية وحدها، بينما يُترك الاقتصاد رهينة للانتظار والتبرير. ليس طبيعيًا، ولا مقبولًا، ما يجرى في ولاية نهر النيل بتدشين ملتقى «صُنع في نهر النيل» في نهايات يناير الجاري، ليس حدثًا اقتصاديًا عاديًا، بل موقف سياسي جريء يضع بقية الولايات – ومراكز القرار – أمام سؤال محرج: لماذا يمكن هنا ولا يمكن هناك؟
ويكفي حكومة نهر النيل شرفًا أنها لم تتذرع بالحرب لتعليق التنمية، ولم تتخذ من الظرف الاستثنائي شماعة للفشل، بل ذهبت مباشرة إلى جوهر الأزمة ، اقتصاد بلا إنتاج هو دولة بلا سيادة. فحين أقعدت الحرب ولايات، وابتلعت الموارد، وتراجع الأداء، خرجت نهر النيل بفعلٍ محسوب يعلن أن إدارة الدولة لا تُقاس بحجم الخطاب، إنما بقدرتها على تحويل الأزمة إلى فرصة.
إن أخطر ما كشفته هذه الحرب ليس هشاشة البنية الأمنية فحسب، بل فقر الخيال الاقتصادي لدى كثير من مؤسسات الدولة. فالاعتماد على الاستيراد، واستجداء الخارج، وإدارة السوق بعقل الطوارئ، كلها سياسات ثبت فشلها. ومن هنا تأتي رمزية «صُنع في نهر النيل» كدعوة صريحة لكسر هذا النمط، والانتقال إلى توطين الصناعات المحلية باعتباره خيارًا سياديًا لا يقبل التأجيل.
فالصناعة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل سلاحًا اقتصاديًا حقيقيًا ، فبها تُستغل موارد البلاد، ويُحمى السوق المحلي، ويُحقق الاكتفاء الذاتي، ويُخفَّف نزيف العملة الصعبة، ويُقلَّص الاستيراد الذي كبّل القرار الاقتصادي طويلًا. وكل حديث عن التعافي الاقتصادي دون هذه المعادلة هو حديث للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.
ثم لنتحدث بوضوح ، البطالة ما عادت رقمًا في تقارير، بل قنبلة اجتماعية مؤجلة. وكل تأخير في دعم الإنتاج هو إسهام مباشر في تفاقمها. لذلك فإن أي ملتقى اقتصادي لا يضع التشغيل ورفع الدخل الفردي في صدارة أهدافه، هو ملتقى بلا معنى. و«صُنع في نهر النيل» – على الأقل – وضع إصبعه على الجرح، وربط بين الصناعة، وفرص العمل، والاستقرار الاجتماعي.
أما الإعلام الوطني، فليس معفيًا من المساءلة. فالتعامل مع هذا الملتقى كخبر عابر يُعد تقصيرًا مهنيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. المطلوب إعلام ينحاز للإنتاج، يروّج له، ويدافع عنه، ويعيد تقديم صورة السودان كدولة تصنع ولا تستهلك فقط. ويُحسب لوكالة السودان للأنباء (سونا) – مكتب الولاية – أنها أدركت هذه المعركة مبكرًا، وتقدمت الصفوف في عكس أنشطة الملتقى، في وقتٍ لا يحتمل فيه المشهد الإعلامي التردد.
قد تكون هذه الحرب دمّرت كثيرًا، لكنها في المقابل فضحت الفشل وكشفت الجادين. ونهر النيل، بما فعلت، قدّمت درسًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ الوضوح ،
أن من ينتظر نهاية الحرب ليبدأ البناء… قد لا يبدأ أبدًا.
الخلاصة القاسية التي يجب أن تُقال بلا تردد ، السودان لا تنقصه الموارد، بل ينقصه قرار شجاع يشبه ما فعلته نهر النيل. Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات