إنَّ ضبط جرائم الفضاء ، أيسر عشرات المرات من جرائم الأرض ، ففي زمنٍ انفلت فيه الفضاء الرقمي من كل قيد، وتحوّل فيه الهاتف الصغير إلى سلاحٍ فتاك، فاصبحنا في عالم غابت فيه الضوابط، وضاعت الخصوصيات، واستُبيحت الحرمات، حتى صار الناس بين خائفٍ من الفضيحة، أو مكسورٍ بابتزاز، أو متألمٍ من تشهير لا يرحم.
لقد تسبب انتهاك الخصوصيات، ونشر المحتويات الهابطة، وإشاعة الفاحشة بين الناس، في أضرارٍ لا يحصي مداها إلا الله، فقد تهدمت بسببها أسر، وتقطعت علاقات وارحام ، وساءت أحوال، وتغيّرت مواقف، وانكسرت نفوس لم تجد من يحميها أو ينصفها.
فقد استغل بعض مرضى القلوب وضعاف النفوس امتلاك صورٍ خاصة أو معلوماتٍ شخصية، حصلوا عليها بأي وسيلة كانت، ثم جعلوها أداة للابتزاز والتخويف، في غياب رقابة رادعة أو زاجرٍ حاسم، فكان الضرر مضاعفًا، والوجع عميقًا، والصمت مؤلمًا.
من هنا، يكتسب إعلان رئيس الوزراء السوداني عن إجازة قانون المعلوماتية أهميةً استثنائية، بل يُعد من أعظم البشريات التي تُزف للناس في زمنٍ قلّت فيه كل بشرى وعزَّ فيه الأمل.. قلّ فيه الأمان، وندر فيه الإنصاف، واشتد فيه الظلم المستتر خلف الشاشات.
إنه قانون لا يحمي البيانات وحدها ، بل يحمي الكرامة الإنسانية، ويصون القيم المجتمعية ، ويوفر الحماية الضرورية، ويضع حدًا لفوضى رقمية كادت أن تبتلع المجتمع بأسره.
غير أن إجازة القانون، على أهميتها، ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
فالقوانين، مهما بلغت قوتها وتعدى سلطانها ، تظل حبرًا على ورق إن لم تُنزّل إلى واقع الناس، وتُشرح بلغة يفهمها الجميع، من أعلى المستويات إلى أدناها. وإن توعية المجتمع بهذا القانون، وحقوقه وواجباته، مسؤولية مشتركة بين الدولة، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، والدعوية، والمجتمعية.
كما أن تفعيل العقوبات المنصوص عليها في القانون، والإعلان عنها بوضوح، وعدم التهاون أو التأخير عند ثبوت الجرم، هو الضمان الحقيقي لردع المجرمين وبث الطمأنينة في نفوس الضحايا. فالعدالة المتأخرة لا تُداوي الجراح، والحزم الغائب يشجع على التمادي.
إن قانون المعلوماتية ليس تشددًا ولا تقييدًا للحريات، كما قد يزعم البعض، بل هو صمام أمان لحرياتٍ مهددة، وحاجز أخلاقي وقانوني يحمي المجتمع من الانحدار، ويعيد للفضاء الرقمي وظيفته النبيلة في البناء لا الهدم وفي الصحة لا السقم..
وفي هذا المنعطف الحساس الذي يمر السودان ، نحن أحوج ما نكون إلى دولةٍ تحمي مواطنيها في العلن والخفاء، وإلى قانونٍ يقف في صف المظلوم لا المتجبر، وإلى وعيٍ مجتمعي يدرك أن الحرية مسؤولية، وأن الخصوصية حق، وأن العبث بأعراض الناس وأسرارهم جريمة لا تسقط بالتقادم.
إجازة قانون المعلوماتية خطوة في الاتجاه الصحيح…
والأمل معقود على أن تُستكمل بالوعي، والحزم، والعدل، حتى يعود للمجتمع بعض ما فقده من طمأنينة، وكرامة، وأمان.
