بعد عامان ونصف العام من التشرد والرهق عاودني الحنين الي زيارة أمدرمان الحبيبة للاستنشاق بهوائها النقي والتمتع بجمالها الذي لايضاهى،، أعادت لي هذه الزيارة المؤثرة الزكريات التي لاتزال منقوشة بقلوبنا وأظهرت لي قوة ومتانة أهل السودان في مواجهة الصعاب كم اشتقت للقاء الأحبة وتلهفي الباذخ لعشيرتي فكم من دموع ازرفت حينما رأيتهم علي قيد الحياة ولكنني فوجعت بفقدان الكثير من المعارف والجيران الذين لقو حتفهم جراء الحرب اللعينة
كانت هنالك تغيرات كثيرة في المدينة فالبيوت التي كانت أصوات العصافير تعلو أصوات الأشخاص بها تحولت إلى مجرد أطلال لم يبقى منها سوى الجدران الحذينة التي تحكي صمتها وكيف تكالب عليها الأعداء وتحويلها إلى غرف أشباح، طمست الملامح بأيدي الغاشمين، تبدلت الأركان بحفر الدانات، نهبت الأسقف وخربت الأبواب، تحولت الحيشان الي غابات شوكية لهجران سكانها لها لفترات طويلة ، اما الشوارع رغم الجهود المكثفة لاعمارها الا ان هنالك بعض الطرق لاتزال تحت وطأة الدمار حيث المتاريس التي أدت إلي تغيير أماكن المواصلات، الأسواق مكتظة بالسكان معظمهم شفشافة السرقة في وضح النهار وفي الأمسيات اي بعد المغرب مباشرة بعض الشوارع لاتستطيع الذهاب بها لكثرة النهابة الذين يقومون بسرقة الجوالات بعد تهديد أصحابها بالقتل في حالة عدم الاستجابة لهم، اما المدارس بالرغم من امتلائها بالطلاب وانتظام العام الدراسي الا انها لاتخلو من تغيب الطلبة بسبب الأمراض التي فتكت بالمنطقة من حمي ضنك وملاريا وتيفوئيد إشارة إلى عدم توفر البيئة الصالحة، الأجواء ملوثة مما كان لها الاثر علي جميع مواطنو المنطقة و بالاخص أصحاب الأمراض المذمنة لجهة أن المستشفيات والمراكز الصحية مذدحمة بمعظمهم لكن
وبالرغم من كل هذه الصعاب تظل ثقتنا فى الله أكبر من ذلك فبحوله وقوته ثم بعزيمتنا نستطيع أن نعيد الدمار الذى خلفته الحرب ونعيد لتلك المدينة الطاهرة النقية بنقاء أهلها مجدها وقوتها ونشر السلام فيها
