طالعت ضمن آلاف المهتمين السرد القيم الذي حواه احد عناوين الإنتاج الجديد للكاتب محمود الشين . قصتي مع أسوأ كارثة في العالم. والذى يدور محتواه حول أحداث قضية دارفور المعروفة وما خلفته من آثار إنسانية واجتماعية والجهود التي بذلت لمعالجتها و مساعي تحقيق السلام والاستقرار خاصة من قبل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي والحراك الواسع الذي قام به في هذا الشأن. والكتاب مع كونه إضافة للمكتبة السودانيةيمثل مدرسة ولونية جديدة للكتابة التوثيقية وقد ابدع فيه الكاتب بنموذج غير مسبوق عبر مزاوجة بارعة ومتقنة بين لغة السرد القصصي بلذته الفنية الطاردة للملل المحفزة لمواصلة الاطلاع بلا انقطاع وبين توثيق الأحداث والمشاهد. حيث توفرت مقومات الجاذبية والقيمة الفنية والقيمة العلمية ألموثقة للمعلومات والأحداث وإيراد تفاصيل المشاهد والحراك الذي تم في تلك الفترة في إطار التدافع بين أطراف القضية والفاعلين من أجل المعالجة والتعاطي مع الوقائع بمختلف أهدافهم واتجاهات تفكيرهم.. ومع كل ذلك تمكن الكاتب ببراعة فائقة أن يحشد في سرده المشاهد المتعلقة بأحداث دارفور التي أنتجت تلك الكارثة الإنسانية. على حسب وصفه. مشاهد حية ومتجسدة تسترعي انتباه القارئ وتستوعب احساسه إلى درجة أن ترسم أمامه الصور والمشاهد وهو يتنقل في فصول الروايات الواردة. للأحداث…. بداياتها…… تطوراتها…. معاركها….. تصرفات السلطة وتعاطيها….الحضور الدولي والإقليمي…… الآثار الإنسانية….. المالات الأمنية والسياسية…. جهود الحل…….. التقاطعات الداخلية لدى الأطراف……. المعاناة وسط الفئات الهشة….. المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة والمتسارعة… فلا يلبث القارئ الا ويجد نفسه احيانا مع وأحيانا ضد واحايين اخري مندهشا من حقائق يكتشفها لأول مرة حول ما كان يسمع ويرى ولا يكاد يجد له تفسيرا. وفي كل فصل يورد الكاتب ما يمكن أن نسميه استنتاجا وأحيانا أخرى رأيه الخاص حول سلوك الفاعلين من الحركات والحكومة القوى الإقليمية والمجتمع الدولي ونتائج الأحداث ورغم ملاحظاتي الشخصية حول بعضهالكنه يورد الاراء والتحليلات الخاصة في سياق يتسم بالموضوعية والدبلوماسية السردية التي لا تملك إلا أن تحترمها وحتى ان اختلفت مع صاحبها في الرأي أو التفسير وذلك لعمق المضامين القيمية زلتي ارتكز عليها الكاتب في بناء الآراء والنتائج والخلاصات. ان هذا الكتاب. قصتي مع أسوأ كارثة في العالم…. يشكل إضافة ثرة وقيمة للمكتبة السودانية وللكتابات التي وثقت وتناولت تلك الفترة الحساسة في أحداث بداية القرن وهو من اقيمها وأكثرها إستدعاء للاحداث والأدوار ووضوحا في إيراد النتائج والافرازات واعمقها في تشخيص مواضع الضعف والقوة والصواب والاخفاق لدى الأطراف و الفاعلين وأكثرها جرأة في تحميل المسؤولية عن المالات التي وصفت فيما بعد بأنها أسوأ كارثة إنسانية في العالم في تلك الأثناء. ان الكتابة حول مثل هذه الأحداث وتوثيقها على هذا النحو الوارد في الكتاب هو مناصرة لحق الأجيال في معرفة ودراسة تجارب الحرب والسلم بالبلاد ومدخل لدراسة نقدية متكاملةحول التجارب التي مرت بها مجتمعاتنا وبلادنالتاثيرها على المستقبل والمصير مما ينتج وعيا وإرادة لدى الأجيال القادمة بضرورة تخطي الفشل والاخفاق التاريخي في معالجة المشكلات وحل القضايا. والوصول إلى مناهج ومفاهيم اكثرايمانا بمسائل العدالة وإدارة التنوع والتعافي الوطني وتغليب روح الحوار كمدخل اساسي للاستقرار والتنمية. واني لاتفق مع الكاتب أن إهمال العامل الثقافي في تجارب حل النزاعات والصراعات في بلادنا وعدم القدرة على توظيفه افقدنافرص عظيمة لتقوية المشتركات الإنسانيةو الوطنية والإفادة منها على النحو اللازم. لقد كان الكتاب جزء من إنجازات الكاتب في الغربة والتي أنجز خلالها عدد من مشاريعه الكتابية ودائما كما هو ملاحظ أن أفضل والإنجازات لمثل هذه العمال إما في السجن أو الغربة على ما فيهما من الم واسي ومع اننا نتوق لعودة الصديق الكاتب محمود الشين إذ ستشهد عودته تدشينا لأعمال أخرى لا تقل أهمية ولا قيمة عن هذا الكتاب يبقى هذا العمل قصتي مع أسوأ كارثة في العالم. مدرسة جديدة أكثر تفردا وتميزا في توثيق الأحداث والوقائع بما يضيف للمنتج الأدبي والثقافي وجهود التوثيق التاريخي للاحداث في بلادنا ويفتح آفاقا جديدة للكتاب والمهتمين بضرورة توثيق مثل هذه الأحداث واخضاعها للفحص و الدراسة المتانية والصادقة واستخلاص العبر التي تفيد في بناء المستقبل ومخاطبة قضايانا الكلية. عماد الدين هارون عبد الماجد. بورتسودان ٨ديسمبر ٢٠٢٥
