السبت, مارس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتحراك واشنطن الحميم.. ما بين الهدنة والتفاوض.. ...

حراك واشنطن الحميم.. ما بين الهدنة والتفاوض.. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم..



يدور هذه الأيام في الأروقة الدبلوماسية الأمريكية، حراكٌ حميمٌ ومكثّف تجاه الملف السوداني، حراكٌ يُخفي أكثر مما يُعلن، ويكشف عن عودة واشنطن إلى المشهد ليس من باب الإنسانية ولا القيم الديمقراطية التي طالما تغنّت بها، بل من بوابة المصالح الاستراتيجية التي تعطّلت مع اندلاع حرب الكرامة.
ومنذ أن دوّت المدافع في الخرطوم، تعطّلت مصالح واشنطن الاقتصادية والأمنية في البحر الأحمر، وتعرقلت مشاريعها في القرن الإفريقي، وتبدّدت رهاناتها على التوازنات الهشة التي كانت تراهن عليها لسنوات. ولأن السياسة الأمريكية لا تتحرك إلا حين تتهدد مصالحها الحيوية، فقد عادت إدارة ترامب إلى المشهد السوداني بقوة، وهي تُعيد ترتيب أوراقها عبر ما تسميه “الهدنة” و”التفاوض” سراً أو علانيةً، بينما الهدف الحقيقي هو وقف الحرب بأي صيغة تحفظ المصالح الأمريكية أولاً وأخيراً
لذلك تسعى واشنطن الآن إلى صياغة تسوية جديدة تُعيد الاستقرار النسبي للسودان، ولكن وفق معادلة تُبقي على نفوذها وتُضعف خصومها. ولعلّ المراقب الحصيف يدرك أن أمريكا لا تضع في حساباتها ما يُسمى بالدعم السريع، فهي تدرك أن ذلك الكيان المسلح أصبح عبئًا ميدانيًا وأخلاقيًا، وأن أي مشروع سياسي مستقبلي لا يمكن أن يقوم على مليشيا تلطخت بالدماء. لذلك، فهي تُنفخ الروح في جسد الرباعية الدولية (أمريكا، مصرية السعودية، والإمارات)، لتكون هذه الرباعية غطاءً دبلوماسيًا لما تسعى إليه واشنطن من “سلام خشن” تحت رعاية الجيش السوداني، سلامٍ لا يقوم على التنازلات، بل على الفرض والإلزام.
إن استدعاء وزير الخارجية السوداني إلى واشنطن ليس حدثًا بروتوكوليًا ثانوياً، بل هو رسالة سياسية صريحة أن أمريكا تريد أن تفرض إيقاعها على المشهد السوداني، وأن تعيد رسم خطوط التماس السياسي والعسكري بما يخدم استراتيجيتها في الإقليم. إنها تسعى إلى إدارة الأزمة لا حلّها، وإلى ضبط الميدان لا إنهاء الصراع جذريًا، لأن السودان المستقر بلا وصاية لا يخدم مشروعها طويل المدى في البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
اللافت في هذا الحراك أن واشنطن تتحدث عن “وقف الحرب” و”حماية المدنيين” بينما تغض الطرف عن جذور الأزمة، وتتعامل مع النتائج لا الأسباب. فهي لا تُخفي رغبتها في إعادة السودان إلى دائرة النفوذ الأمريكي، ولكن عبر أدوات جديدة، تُلبسها ثوب السلام والشرعية الدولية. وهنا تكمن خطورة المشهد سلامٌ تُديره واشنطن سيبقى هشًّا ومؤقتًا، لأنه لا ينبع من إرادة سودانية خالصة، بل من حسابات المصالح الأجنبية.
إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق حاسم: إما أن يُستعاد قراره الوطني تحت راية الجيش الذي يحظى بالاعتراف الواقعي كقوة الدولة الشرعية، أو أن يُترك للمساومات الدولية التي لا ترى في السودان سوى ساحة لتصفية الحسابات وممرًا للمصالح.
إذاً يبقى السؤال الجوهري
هل ما يجري الآن هو بحثٌ عن سلامٍ عادلٍ يوقف الحرب حقًا؟
أم تحضيرٌ لسلامٍ خشنٍ تفرضه واشنطن لحماية مصالحها؟
بين الهدنة والتفاوض، وبين الشعارات والحقائق، تمضي واشنطن في حراكها الحميم، بينما يراقب السودانيون المشهد بوعيٍ جديد، يدرك أن السلام الحقيقي لا يُكتب في واشنطن، بل يُصنع في الميدان، تحت راية الوطن، وبسواعد أبنائه. Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات