اتخذ الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قرارًا بالغ الأهمية في لحظة مفصلية من تاريخ السودان يقضي بإخضاع كافة قوات ما يُعرف بالكفاح المسلح لقانون القوات المسلحة السودانية لسنة ٢٠٠٧م . وهذا القرار وإن بدا للبعض إجراءً تنظيماً عسكريا إلا أنه في جوهره يمثل حجر زاوية في مسيرة بناء دولة القانون والمؤسسات، وإحدى أكثر الخطوات صوابًا نحو تحقيق الأمن والاستقرار.
لقد أدرك الفريق أول البرهان من موقعه كقائد للقوات المسلحة أن تعدد الجيوش داخل الدولة هو الوصفة المثلى للفوضى والانقسام المهدد الأكبر للأمن وأن من لا يتعظ من دروس الماضي قد يكرر مآسيه. ومن هنا جاء قراره محمّلاً ببعد استراتيجي عميق ونظرة بعيدة المدى ، يتجاوز اللحظة الراهنة، ليستشرف مستقبلًا آمِنًا ومتماسكًا قوياً.
إن تجربة قوات الدعم السريع وتمردها على الجيش الوطني لم تكن إلا دليلاً قاطعاً على خطورة السماح لأي تشكيل عسكري بالوجود خارج مظلة القوات المسلحة. فقد تحوّلت بعض تلك القوات من شريك في السلام إلى مهدد فعلي لكيان الدولة وأمنها ، بعدما خرجت عن الأطر النظامية، وانحرفت عن الأهداف الوطنية المتفق عليها..
ولعل أبرز ما يحسب لهذا القرار هو حرصه على تحقيق ما تسعى إليه كل الدول التي تجاوزت محن الحروب الأهلية وهو أن يكون للدولة جيش واحد، عقيدته وطنية، وولاؤه مطلق للدستور والقانون، لا للأشخاص أو الفصائل أو الأجندات الخاصة.
تجارب الدول من حولنا تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن توحيد السلاح تحت قيادة مركزية واحدة هو الضامن الأول لعدم تكرار الصراعات المسلحة، وهو السبيل الأمثل للحفاظ على السيادة الوطنية وصون القرار السياسي من الابتزاز المسلح.
إن إخضاع قوات الكفاح المسلح لقانون القوات المسلحة، لا يعني تهميش نضالها أو إنكار دورها في مراحل مفصلية من تاريخ السودان، بل هو إدماج لها ضمن المؤسسة العسكرية الأم في إطار من الضبط والانضباط بما يضمن حقوقها وواجباتها، ويؤطر علاقتها مع الدولة والشعب وفق مرجعية قانونية واضحة.
لقد آن الأوان لأن نُغلّب منطق الدولة على حسابات الفصائل والقبائل ، وأن نمنح السودان فرصة حقيقية لبناء جيش مهني موحّد يحمي الحدود، ويصون الأرض، ويرفع راية الوطن خفاقة بين الأمم.
وفي هذا السياق، يُعد قرار الفريق أول عبد الفتاح البرهان علامة فارقة في مسار الإصلاح العسكري والسياسي، يستحق الدعم الشعبي والسياسي، وبالمقابل يستوجب التطبيق الحازم، حتى نُغلق نهائيًا باب التمرد، ونفتح صفحة جديدة عنوانها: “سودان بجيش واحد.. وأمن لا يتجزأ.”