إن من مفارقات زماننا أن نرى امهات أعيننا مشهداً من عجائب الدهر، وأمام شواهد التاريخ الملطخة بالدماء، أن تقسم مجموعة تطلق على نفسها “حكومة تأسيس” يتقدمهم الهالك الشقي محمد حمدان دقلو حميدتي ويؤدون قسماً بأنهم حكام ، وكأن ذاكرة هذا الشعب قد مُحيت، وكأن دماء الأبرياء التي سالت لم تكتب على صفحات الأرض بالدم القاني.
ومنذ اندلاع حرب الكرامة في 15 أبريل 2023، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتجاوز عدد النازحين داخليًا وخارجيًا أكثر من 8 ملايين إنسان وفق تقارير الأمم المتحدة، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية على الإطلاق في القرن الحادي والعشرين. في الخرطوم ودارفور وكردفان، إذ لم تسلم قرية من النهب، ولم ينجُ بيت من التشريد، حتى تحولت بيوت السودانيين إلى خرائب وخرائط وذاكرة الأطفال إلى مقابر من الرعب والخوف.
أيُقسم هؤلاء على الحكم؟ وأمام من؟ أيريدون أن يحكموا الذين قتلوهم وما يزالون يطاردونهم حتى اللحظة؟ أم يريدون أن يحكموا الذين شرّدوهم من ديارهم وقطعوا أوصالهم بين المنافي والمخيمات؟ أم يريدون أن يحكموا نساءً انتهكت أعراضهن، وأسرىً عُذبوا حتى الموت، ورجالاً نُهبت ممتلكاتهم جهارًا نهارًا؟
إنه قسم على الخراب يا سادتي على الأشياء وعلى صرخات الثكالى. أما القرآن الذي وضعوه تحت أيديهم يوم أن اقسموا ، فهو ذاته الذي حرم القتل والسرقة والاغتصاب، بل نهى عن الظلم جملةً وتفصيلًا..
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90].
فأي نفاق أعظم من أن يُقسم القاتل على مصحف إن كان مصحفاً؟ واليد التي تمتد إليه هي نفسها التي سفكت الدم وحرقت الديار؟
إن ما يسمى بـ”الحكومة الإسفيرية”، التي تُبث على الهواء كما تبث المسلسلات الرخيصة، ليست سوى مسرحية سياسية عبثية، تُعرض على شاشات العالم لتخاطب شعبًا هو أنبل وأطهر شعوب الأرض، شعبًا قدّم التضحيات من أجل الحرية والكرامة والسيادة.
لكن بيننا وبينهم الأيام، والأيام حبلى بالشواهد، والتاريخ لا يُمحى من ذاكرة الشعوب. سيظل هذا الشعب يذكر أن “قسمهم هذا” لم يكن إلا طعنة جديدة في خاصرة الوطن، ولن يتعدى الحجرة التي تحلقوا فيها وأن الأيادي التي امتدت للمصحف قد تلوثت بدماء الأبرياء الأطهار..
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا
هل هؤلاء جادون؟
أم أنها مجرد مسرحية أخرى من مسرحيات العبث وسرعان ما تطويها سنن التاريخ وتُسقطها وقائع الميدان؟Elhakeem.1973@gmail.com