زرت لأول مرة المتحف القومي في الخرطوم عام 1999، كنت حينها طالبًا في المرحلة الثانوية، أفتش في كتب التاريخ عن معنىً أوسع لما يعنيه أن أكون “سودانيًا”. وعن (مملكة أليس)، لم تكن الرحلة عابرة، بل كانت لحظة انكشاف. أمامي تقف حضارات كاملة نُقشت على الحجر من المروي إلى الكوشيين، من مسلات النقعة إلى تماثيل ملوك نبتة. شعرتُ حينها أننا، نحن السودانيون، لا نفتقر إلى التاريخ – بل التاريخ ذاته مدين لنا، وكان يحدثني عن كل ذلك عمنا البروفيسور خضر آدم عيسى طيب الله ثراه.
لكن قبل أيام قليلة حدثني أحد الجنود المرابطين هناك، فقال لي دخلت إلى نفس المكان، بعد أن مرّ فوقه جحيم الحرب. (كان المشهد قاتمًا. لا أثر لمعظم التماثيل الصغيرة، ولا للقطع الفخارية التي كانت تُعرض بفخر على رفوف زجاجية محمية. موظفو المتحف يتحدثون بوجل عن نهبٍ “منهجي”، جرى بأوامر مباشرة من قيادات مليشيا الدعم السريع. قاله أحدهم: “لم يكن هدفهم المال فقط، بل سحق الذاكرة.”
نهب الآثار في السودان ليس حادثًا عرضيًا. هو امتداد لحربٍ على الهوية، يُخاض فيها الصراع ليس فقط على الأرض، بل على من يملك الرواية. إن سرقة تمثال ملك من مروي لا تعني فقط فقدان قطعة أثرية، بل تعني حذف سطر من كتاب الذاكرة السودانية.
تؤكد تقارير العاملين في الهيئة العامة للآثار والمتاحف، وكذلك شهود عيان في أم درمان والخرطوم وبحري، أن عناصر الدعم السريع لم يقتحموا المتاحف عبثًا. كانوا يعرفون ما يبحثون عنه. في بعض الحالات، استخدموا آلات دقيقة لنقل القطع، وكأنهم مدرّبون على التعامل مع مقتنيات لا تقدر بثمن. خرجت شحنات غير قانونية عبر معابر إلى دارفور، ومنها إلى دول الجوار. قطع يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد أصبحت تُعرض الآن في السوق السوداء على الإنترنت، أو تُهرّب إلى أوروبا والشرق الأوسط.
لكن الأمر لم يتوقف عند المتاحف. حتى المواقع الأثرية المفتوحة، كمدينة النقعة والمصورات، تعرضت للتخريب. يقول أحد الباحثين الميدانيين: “تجاوزوا الحفر العشوائي إلى تفجير بعض الجدران القديمة بحثًا عن الذهب. بالنسبة لهم، لا فرق بين المعبد والكنز.”
في اللحظة التي يقف فيها مقاتل ببندقية أمام تمثال كوشي عمره ألفا عام، فإن الصراع لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح وجوديًا. هل نحن أمة جديرة بالبقاء؟ أم مجرد أثر يمكن طمسه ببساطة؟
تاريخ السودان حُوصر مرات كثيرة. أيام الحكم التركي-المصري، جُرفت آثار نبتة إلى القاهرة. في عهد الاستعمار البريطاني، خرجت مسلاتنا إلى المتاحف الأوروبية. وحتى بعد الاستقلال، لم ننجُ من الإهمال. لكننا لم نشهد، في العصر الحديث، حربًا على الذاكرة كما نشهدها اليوم.
أعرف ذلك شخصيًا. وُلدت ونشأت في ضاحية الثورة في أم درمان. كنت أسمع القصص عن حضارة كوش تُروى في المجالس، وفي زيارات المدارس للمتحف. أؤمن أن من يعرف أن أجداده بنوا حضارة ناطقة بالحجر، لن يرضى أن يُختزل وجوده في خيمة نازح أو عنوان خبر عاجل.
لكن، ماذا عن الجيل الجديد؟ كيف سيفهمون من هم إن اختفت آثارهم من المتاحف؟ إن اختزلوا بلادهم في صور الحرب والجوع؟ إن نُهبت معابد أجدادهم وسُرقت تمائم ملوكهم؟
مثل ملايين السودانيين، أنا في رحلة لاستعادة هويتي. أحاول أن أشرح لأطفالي أن الذهب في السودان ليس ما يُنقّب عنه بالعتاد العسكري، بل ما حفرته حضارتنا في الذاكرة. لكن من الصعب فعل ذلك، حين نرى آثارنا تُسرق أمام أعيننا، ولا أحد يصرخ.
أؤمن أن حماية التراث ليست رفاهية. هي جزء من معركتنا الأكبر. فإذا أردنا مستقبلًا، علينا أن نثبت أن لنا ماضٍ. وإذا أردنا أن نبني سودانًا جديدًا، علينا أن نُعيد كتابة التاريخ – لا بالحبر فقط، بل بالحجر أيضًا.
لا بد من مساءلة الذين سرقوا آثارنا.
لا بد من تتبعها، واستردادها.
لا بد من أن نعلن: لن يُسرق السودان مرتين.