الخميس, أبريل 3, 2025

رؤي واصله عباس أمدرمان ..جينا ليك والشوق دفرنا

في طرقات الوطن العريض الممتد بسهوله وهضابه ، ووديانه .. وأهله وناسه ، ظللت لفترة إثنان وعشرون شهرا ، في تطواف طلبا لعلاج شقيقتي ، متنقلة بين عدد من الولايات ، بعد أن تعثر الأمر في ولاية الخرطوم التي خرجت الكثير من مراكزها العلاجية من الخدمة بسبب التدمير الممهنج الذي وصل حد الجوف والعصب في جسدها ، ومن خلال هذا التطواف الطويل ، كنا وشقيقاتي نحمل معنا ذكريات الديار والأهل وتفاصيل الشوارع والبيوت والنفاجات في أمدرمان الحبيبة .. والفتيحاب الكريمة .. وكأن أغنية الفخيم الفنان الراحل حمد الريح تعبر عنا (والقمري فوق نخل الفريق ..فاقد الاهل يبكي ويحن .. نحمل رسائلنا واشواقنا لحبايبنا وللاهل ) ، و كانت الروح ترتحل كل يوم الي تخوم الفتيحاب مسقط الرأس لتسأل عن حالهم في وجل وتخوف سيما وهم يعيشون تحت قصف المدافع والبنادق منذ بدء الحرب ولكنهم ظلوا في صمود وثبات حتي كلّ الصبر منهم وملّ .
ولأن الديار لم تكن وجهتنا ..ولا زلنا نحمل عصا الترحال بحثا عن طبيب يداوي سقمها .. ويخفف وجعها ،، ولكن تغيرت الوجهة عند وصولنا الي ارض الحديد والنار ..تنسمنا من علي البعد عبق الحبيبة .. وكان الوصول اليها أقرب ،، ولاننا كنا بحوجة مأسة أن تتكئ ظهورنا التي أوشكت علي الإنحناء من هول الغربة وأوجاعها علي حوائط البيت الكبير ,, وكان لزاما علينا أن نُلقي عصا الترحال قليلا ,, لتكون بمثابة إستراحة محارب .. وبين ليلة وضحاها عقدت العزم علي العودة الي الديار ..إلي أسرتي السند والعضد .. الذين تبرء جراحاتنا بلقاءهم .. والذين نتوقع الي رؤياهم ..وشوق كبير يسوقنا الي لقاء صغار البيت الذين ذرفوا دمعا بريئا وهم يغوصون في أحضاننا نقتبس من براءتهم ضمادة لجراحنا ،، نشتاق أن نلتقيهم لنبكي فقداءنا وشهداءنا الذين أصبحت مقاعدهم خاوية إخواني السر والطيب وحامد وأحمد وشهيدنا البطل أنس وأبنة أخي مني .. وخالتي الغالية وامي بعد أمي .. ،، فقد تسببت الحرب في فقدي لسبعة من أفراد أسرتي .. فأصبحت مقاعدهم تسأل عنهم … مملؤة بالحزن والألم . أوجست في نفسي خيفة ،، وأنا أتخذ قرار العودة دون مشورة إخواتي .. ودون معرفة أهلي في الديار .. لهذا جاء اللقاء بهم ممزوجا بالشوق والمفأجاة والبكاء .. حتما لا أستطيع وصف تلك اللحظات التي غشاها ليل وأرخي سدوله عليها .. لهذا كانت المشاعر بلا رقيب .. وكل كان يبكي ليلاه .. و يضغط علي جراحاته النازفة .. فقد أوشكت دائرة الاسرة علي الإكتمال .. وتبقي انتظار شقيقاي وأبناءهم في صالحة للعودة حتي يكتمل عقد البيت .. الذي سيكون ناقصا بعد رحيل بعضهم ، وقد تسورت الأحزان أركان البيت .تتلوي مابين الحزن علي الراحلين ،، والقلق علي الغائبين الذي إستودعناهم الله وعنده لاتضيع الودائع.
حملتنا السيارة وابناء إخواتي في مقدمتها ..كنت أنظر الي الطرقات وهالني مارأيته .. وفي كل شارع كانت خاصرتي تزداد ألما .. ووجعا ! .. وتبكي مقلتاي علي ما رأته ! .. فسألت أبن أختي أتلك هي أمدرمان ؟ ..هل سلكت الطريق الصحيح اليها ؟؟ كنت أستبعد أن تكون هي أم در الحبيبة ،، ذرفت دمعا سخيا .. وأنا أحاول أن أجمع شعث قلبي المكتوي بالشوق للديار وللأهل .. وتلك المعالم التي تزدان بوجودها في أمدرمان وقد أضحت ( كومة من الحطام ) ،، تبا لهولاء الأوباش .. ألم يدركوا أن أمدرمان هي القلب النابض ؟؟ .. وألم يسمعوا بأنها الصدر الحاني ..؟؟ ألآ يعرف هولاء الرعاع أن أمدرمان أم .. وأمان .. وفيها الدر مكنون ؟؟ تباً لهم ..تباً لهم .. تباً لهم .. كان كل شئ فيها مفجعاً .. وموجعاً .. وكل معالمها وقد شاهت .. وكانت آثار الدمار عليها .. مختوما بختم بارز لمقذوفة أو رصاص .. ياااااااااااه أيا أمدرمان جئتك لآشكي همي .. ووجعي ..ووجلي .. وخوفي .. جئتك لآقبل أرضك وأستشعر الطمأنينة وأنا علي رباك وألتحف سماك ؟؟؟ .. جئتك والشوق يدفعني اليك ..فأنتي إن لم تكني مسقط رأسي لزرعت بين أراضيك قلبي .. يا أمدرمان .. وياكرش الفيلوالدرة التزين بلدي .. يالطابية .. أوسعوك تنكيلا .. ولكنك كنتي عصية علي هولاء التتار .. حاولوا طمس هويتك .. ولكنهم ماعرفوا أن ( منارتك تهدي الساري والضهبان ) ،، عملوا علي تمزيق لٌحمتك الإجتماعية ووصفوك بالعنصرية والجهوية ولكن لايعرفون ( أنك مزجتي شمالها بجنوبها . وزرعتي الطيبة في دروبها ) .
وعند مشارف الديار .. ظللت أصرخ وأنا أرفع يدي مصافحة لهواءها ..لذرات ترابها .. للوجوه العابرة وإن لم أستبين ملامحها .. للشوارع والبيوت .. للنجوم البعيدة التي تغطي سماءها وليلها الحالك ( الفتيحااااااااااااب .. النفق .. مربع واحد ..شارع البحر .. دكان عبدالماجد .. صيدلية ذي الريتاج ..جامع الشيخ أحمد ود سليمان .. .. ظللت أنادي علي الجميع حتي حسبت أنني سأقفز من العربة للقاءهم والسلام عليهم .. وحينها إستشعر إبن أختي فرحتي بالوصول الي الديار بأن أطلق العنان لأبواق السيارة مشاركة لفرحة العودة .. وإستعدادا للقاء الأحبة .. في أرض المحبة.

رؤي أخيرة :_

ياماشايليك فيني حايم ..لا الليالي المخملي ..لا العمارات السوامق لا الأسامي الأجنبي تمحي من عيني ملامحك.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات