بقلم/ د. اسماعيل الحكيم
لقد ثبت للعالم بأسره أن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل/نيسان 2023 لم تكن نزاعاً عبثياً على السلطة بين جنرالين كما روّجت مخيلة العواصم الغربية، وإنما كانت -وما تزال- صراعاً وجودياً على الخريطة ذاتها: مخلفة من وراءها سؤالاً جوهرياً .. هل يبقى السودان دولة موحدة، أم يتحول إلى حجر الدومينو الأول في سلسلة تقسيمات تتداعى من النيل إلى المحيط الهندي؟
إن قراءة المشهد الميداني والسياسي تكشف عن مشروع إقليمي تقوده ثلاثة أضلاع يُشكلون محور التقسيم ، أبوظبي التي توفر التمويل والسلاح وتستنزف الذهب، وأديس أبابا التي توفر الملاذ الجغرافي والعمق اللوجستي، وتل أبيب التي تمنح الغطاء الاستراتيجي والذكاء الاستخباري. وفي المقابل، أضحت قوات الدعم السريع مجرد أداة وظيفية مُستأجرة تُنفّذ أجندة التفكيك مقابل خدمات لوجستية ومالية عابرة للحدود.
غير أن الحسابات الحقلية خابت أمام صمود مؤسسات الدولة السودانية وشعبها . فمع انقضاء الشهور، لم يكتَفِ الجيش السوداني بكسر حصار الخرطوم ومدني وسنار والسيطرة على ممرات الشرايين الاستراتيجية في الوسط والشرق، ولكنه تحول من موقع الدفاع إلى خنق ممرات الإمداد الصحراوية عبر الحدود. لقد أثبتت التطورات أن الدولة التي تقاتل من أجل بقائها الوطني أطولُ نفساً وأصلبُ عوداً من مليشيا تقاتل لحساب فاتورة أجنبية.
وفي الوقت الذي انكشفت فيه التكلفة الإنسانية الأخلاقية لهذا المحور -من حصار المدن إلى تجنيد المرتزقة وغسل أموال الذهب- برز التحول الاستراتيجي بفضل العامل التركي؛ حيث أسهم الدعم الفني والعسكري البليغ من أنقرة في إحداث توازن ردعٍ جوي، مُستنداً إلى موقف مبدئي ينحاز لوحدة الدول وسيادتها، كما تجلى سابقاً في المحافظة على وحدة الصومال.
إن النصر الذي تسعى الخرطوم لإتمامه لا يقف عند حدود استعادة الجغرافيا السودانية، ولكنه يمثل كسرًا لمشروع التفكيك برمتِه في القرنيْن الأوسط والأفريقي. فإذا انكسرت شوكة المليشيا وسقط أنموذجها في الخرطوم، فإن كافة مشاريع الانفصال والرعاية الموازية -من سواتر النيل الأزرق إلى موانئ بونتلاند وصوماليلاند- ستفقد زخمها الممتد.
إنها معركة بين خيارين لا ثالث لهما: إما قرنٌ أفريقي مُجزء إلى كيانات طيعة تُدار من الخارج، أو إقليمٌ يتألف من دول مستقلة تحمي سيادتها وتصون خرائطها. وفي هذه المعركة، لا يقف السودان مدافعاً عن أرضه فحسب، وإنما يُشكل -عن قصد أو غير قصد- حائط الصد الأخير عن سيادة المنطقة بأسرها.
