الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةمنوعات❀𓆩•҉᭄𓆪❥مَرَاثِي وَطَنٍ لَا يَمُوت سِفْرُ الوَجَعِ السُّودَانِيِّ عَلَى حَافَّةِ الرَّمَادِ وَالصَّبْرِ❀𓆩•҉᭄𓆪❥ ...

❀𓆩•҉᭄𓆪❥مَرَاثِي وَطَنٍ لَا يَمُوت سِفْرُ الوَجَعِ السُّودَانِيِّ عَلَى حَافَّةِ الرَّمَادِ وَالصَّبْرِ❀𓆩•҉᭄𓆪❥ الكاتبةُ والإعلاميةُ/ عبير نبيل محمد “عَنْقَاءُ الحُرُوف”


….الفَصْلُ الثَّانِي✍️
فِي مَرَاثِي الفَقْدِ… حِينَ صَارَ الغِيَابُ وَطَنًا آخَرَ
…المَرْثِيَّةُ الأُولَى
✦عَتَبَةُ الغِيَابِ✦
في الحرب، لا يكون الفقدُ حدثًا عابرًا، بل يتحوَّل إلى حياةٍ أخرى، يعيشها الناس بين الصورة والذاكرة، بين ما كان… وما لن يعود.
هناك، تقف امرأةٌ على حافة الصبر، لا تُحصي الأيام، بل تُحصي أسماء الغائبين، وتحفظ ملامحهم كأنها دعاءٌ لا ينقطع.
تضع يدها على قلبها كلما سمعت اسمًا يشبه اسم ابنها، وتلتفت إلى الباب كلما مرَّ ظلٌّ يشبهه، ثم تعود إلى صمتها، كأنها تخشى أن ينهار ما تبقَّى من روحها إن نادته.
وأمٌّ أخرى…
تجلس أمام فراغ البيت، كأنها تحاوره، وتسأل الجدران:
«أين ذهب الذين كانوا يملؤون المكان ضحكًا؟»
ولا يجيبها سوى صدى الغياب.
أمّا الأطفال…
فقد كبروا بسرعةٍ لا تشبه أعمارهم.
تعلَّموا معنى الفقد والحرمان قبل أن يعرفوا معنى الأمان، وحفظوا أصوات الانفجارات أكثر مما حفظوا أهازيج المدارس.
يمشي بعضهم وفي عينيه سؤالٌ أكبر من عمره:
«لماذا نغادر دائمًا؟»
«ولماذا لا تعود الأماكن كما كانت؟»
وفي زوايا المدن…
رجالٌ يخفون انكسارهم خلف الصمت، يحملون وجعهم كما يُحمَل الحجر الثقيل، فلا يشتكون؛ لأن الشكوى في زمن الحرب ترفٌ لا يملكه المنهكون.
ويبقى الفقد…
لغةً مشتركةً بين الجميع.
لا يحتاج إلى ترجمة…
ولا إلى تفسير.
يكفي أن تقول:
«كان هنا…»
حتى يدرك القلب أن شيئًا ما انكسر إلى الأبد.
أيها الوطن…
كيف تحتمل كل هذا الغياب؟
وكيف يحفظ التراب أسماء من رحلوا، ولا يعيدهم؟
ومع ذلك…
يبقى في الناس شيءٌ لا يموت.
شيءٌ يشبه الإصرار.
ويشبه الجذور.
ويشبه الحياة وهي تُقاوم، رغم كل ما انكسر.
ومن هنا…
لا تبدأ مراثي الفقد فحسب، بل تبدأ حكاياتُ وطنٍ صار الغيابُ أحد عناوينه، وغدت الذاكرةُ آخرَ ما تبقَّى لأهله.
✦ المَرْثِيَّةُ الثَّانِيَةُ✦
حِينَ يَصِيرُ الصَّمْتُ لُغَةً أُخْرَى
تزاحمت القصصُ والأحداث…
منها ما عرفناه وتداولته الألسن، ومنها ما بقي حبيس الصدور، تتوارى تفاصيله خلف أبوابٍ أوصدها الخوف، وأثقلها الألم.
فكلما امتدَّت الحرب، لم يعد الوجع وجهًا واحدًا، ولم تعد المأساة حكايةً تُروى، بل غدت حيواتٍ كاملةً تحملها الذاكرة، وتنوء بها الأرواح.
قصصٌ لم تجد طريقها إلى الكلام، لا لأن أصحابها نسوا، ولا لأن جراحهم كانت أقلَّ وجعًا، بل لأن الخوف كان أكبر من القدرة على البوح.
كانت وصمةُ العار، والخشيةُ من المجهول، ونظراتُ المجتمع القاسية، قيودًا كبَّلت ألسنة كثيرين، حتى غدا الصمت عند بعضهم وسيلةً أخرى للبقاء.
فكم من حكايةٍ أُغلقت عليها الأبواب…
وكم من دمعةٍ جفَّت قبل أن تجد عينًا تراها…
وكم من إنسانٍ حمل وجعه وحيدًا، لأن المجتمع، في أحيانٍ كثيرة، أضاف إلى جراح الحرب جرحًا آخر.
ومن بين تلك الحكايات…
حكاياتُ الهروب من الموت.
وحكاياتُ الفقد.
وحكاياتُ الاحتجاز.
وحكاياتُ الانتهاكات التي مزَّقت الأرواح.
وحكاياتُ أمهاتٍ حملن من الصبر ما تعجز عنه الجبال.
وحكاياتُ شبابٍ دُفعوا إلى طرقٍ لم يختاروها.
لكن هذه الصفحات…
لن تكون مرثيةً للضحايا وحدهم…
بل مرثيةً للإنسان السوداني، وهو يُدفَع كلَّ يومٍ إلى اختيارٍ مستحيل:
بين الخوف والنجاة…
وبين الجوع والكرامة…
وبين البقاء على قيد الحياة، والحفاظ على ما تبقّى من إنسانيته.
✦ المَرْثِيَّةُ الثَّالِثَةُ✦
نِسَاءٌ عَلَى حَافَّةِ النَّجَاةِ
ومن بين تلك الحكايات…
كانت هناك حكاياتٌ أخرى لم تجد طريقها إلى الضوء، وبقيت حبيسة الخوف، وثِقل الذاكرة، ومرارة السؤال:
كيف يُروى ما تعجز القلوب عن احتماله؟
فالحرب لا تخلِّف وراءها القتلى وحدهم…
بل تترك أحياءً يحملون آثارها في أرواحهم، وأسرًا تبدَّلت ملامح حياتها في لحظة، ونساءً وجدن أنفسهن أمام واقعٍ لم يخترنه.
ومن بين وجوه الفقد…
كانت هناك فتياتٌ ونساءٌ دفعت بهن الظروف إلى مصائر لم يخترنها بإرادتهن الحرة.
ففي زمن الحرب، حين ينهار الأمان، وتضيق السبل، وتغيب الحماية، يغدو ما يبدو خيارًا في ظاهره، استجابةً للخوف، أو محاولةً للنجاة، أو هروبًا من مصيرٍ أشد قسوة.
كم من فتاةٍ أُغلقت في وجهها أبواب الحياة…
فلم تجد أمامها إلا بابًا لم تكن تتمنى أن تدخله.
وكم من أسرةٍ رضخت لما كانت ترفضه في زمن السِّلم، لأن الحرب كثيرًا ما تنتزع من الإنسان حقَّه في الاختيار.
ولم يكن ذلك الوجع أقلَّ قسوةً من الفقد…
فالإنسان لا يخسر في الحروب أحبَّاءه وحدهم، بل قد يخسر أيضًا أحلامه، وخياراته، وحقَّه في أن يعيش الحياة التي كان يرجوها.
✦ المَرْثِيَّةُ الرَّابِعَةُ✦
أُمَّهَاتٌ يُخْفِينَ أَبْنَاءَهُنَّ عَنِ الحَرْبِ
أما الشباب…
فقد حملوا نصيبًا آخر من المأساة.
وجد كثيرٌ منهم أنفسهم في قلب حربٍ لم يختاروها، وعلى طرقٍ لم تكن يومًا جزءًا من أحلامهم، فإذا بالمستقبل الذي رسموه لأنفسهم يتوارى خلف دخان البنادق، وتغدو النجاة أمنيةً تسبق كل أمنية.
ومن أكثر مشاهد هذه الحرب وجعًا…
ذلك الخوف الذي استوطن قلوب الأمهات.
لم يعد خوفهن من أصوات الرصاص وحدها…
بل من أن تُنتزع فلذات أكبادهن إلى حربٍ لا يعرفن متى تنتهي، ولا أيُّ مصيرٍ ينتظر أبناءهن فيها.
حتى إن بعض الأمهات، من شدَّة الرعب، لجأن إلى إخفاء أبنائهن بكل وسيلةٍ استطعن إليها سبيلًا، وألبسن بعضهم ملابس النساء، لعلَّ الحرب تعبر دون أن تراهم.
لم تكن الأم تبحث عن بطولة…
ولا عن انتصار…
كانت تبحث عن معجزةٍ صغيرة، اسمها:
أن يبقى ابنها حيًّا.
ذلك كان حلمها كله…
أن يشرق الصباح، فتجد أبناءها حولها كما كانوا بالأمس.
ففي زمن الحرب…
قد يصبح البقاء على قيد الحياة أعظم انتصارٍ يمكن لأمٍّ أن تتمناه.
✦ المَرْثِيَّةُ الخَامِسَةُ✦
كَادِحُو الحَيَاةِ
أما الوجع الآخر…
فكان وجعَ الإنسان الذي وجد نفسه بين نارين.
لم يعد يدري أيُّهما أشدُّ احتراقًا…
نارُ الخوف…
أم نارُ الحاجة.
وفي كل يومٍ كانت الحرب تفرض امتحانًا جديدًا، حتى غدا البقاء في ذاته معركةً لا تقل قسوةً عن ميادين القتال.
ومن عاشوا في مناطق سيطرة المليشيات آنذاك، وجدوا أنفسهم في مواجهة واقعٍ لا يشبه أيَّ واقع.
كان عليهم أن يبحثوا عن لقمة العيش، بينما يحيط بهم الخوف من كل اتجاه.
بين أفواهٍ جائعة تنتظر رغيفًا…
وبين ضميرٍ يخشى أن يُساء فهمه.
بين الحاجة إلى العمل…
وبين الخوف من الاتهام.
بين الرغبة في البقاء…
وبين الخشية من الموت، أو الاحتجاز، أو الانتهاكات.
لم يكن ذلك خيانةً كما قد يتخيَّل البعض…
بل كان صراعَ إنسانٍ يحاول أن يُبقي أسرته على قيد الحياة، في زمنٍ أصبحت فيه الحياة نفسها موضعَ اختبار.
لقد تاجر كثيرون بدماء الناس…
لكن البسطاء لم يكونوا يملكون رفاهية الاختيار.
كان رهانهم الوحيد…
أن ينجوا، وأن يجدوا ما يسدُّ رمق أطفالهم.
حتى اختصر كثيرون وجعهم في سؤالٍ واحد:
نكون… أو لا نكون.
ومن بين هؤلاء…
كان هناك أناسٌ لم يطلبوا من الدنيا أكثر من فرصةٍ صغيرة ليعيشوا بكرامة.
أناسٌ لم يعرفوا من الحياة إلا الكفاح، ولم يملكوا سوى سواعدهم، وإيمانهم بأن العمل شرفٌ مهما اشتدت المحن.
ولذلك…
أسميهم:
كَادِحِي الحَيَاةِ.
✦ المَرْثِيَّةُ السَّادِسَةُ✦
حِكَايَةٌ مِنْ قَلْبِ محلية بَحْرِي
ومن بين حكايات كادحي الحياة…
تتوقف الذاكرة طويلًا عند أسرةٍ بسيطة، لم تعرف من الدنيا إلا الكدَّ والعمل، ولم تطلب منها أكثر من يومٍ يمضي بسلام.
في مدينة بحري…
كانت جدةٌ تفترش ظلَّ الصباح أمام إحدى المستشفيات، تبيع الفول السوداني والتسالي. ترتب بضاعتها بعناية، وتنتظر المارة، علَّ آخر النهار يحمل إليها ما يسدُّ رمق الأسرة.
وعلى الرصيف المقابل…
كان زوجها يبيع الماء.
يجلس تحت ظل شجرةٍ، وأحيانًا يدفع درداقته الصغيرة، حاملةً أوعية الماء وعصير الكركديه، متنقلًا بين العابرين طلبًا لرزقٍ قليل.
لم يكن العمل وفيرًا…
لكن ما يعودان به مع غروب الشمس كان يكفيهما ليقولا، في رضا المؤمن:
«الحمد لله.»
كانت حياتهما بسيطة…
عنوانها التعب…
وكرامتها العمل.
غير أن أثقل ما كان على كتفيهما لم يكن الفقر…
بل خمسةُ أحفادٍ صاروا مسؤوليتهما بعد أن فرَّقت الحرب شمل الأسرة.
كان الابن قد اغترب بحثًا عن الرزق…
ثم انقطعت أخباره.
انقطعت وسائل التواصل…
وانقطعت معها الطمأنينة.
لم يعد أحدٌ يعلم أين هو…
ولا إن كان ما يزال حيًّا، أم ابتلعته الغربة كما ابتلعت آلاف السودانيين.
أما أمُّ الأطفال…
فقد أنهكها الفشل الكلوي، حتى رحلت عن الدنيا، تاركةً أبناءها يصارعون اليُتم مرتين…
يُتم الأم…
ويُتم الأب الغائب.
وهكذا…
وجد الجدُّ والجدة نفسيهما يحملان ما تبقَّى من الأسرة فوق أكتافٍ أنهكها العمر.
كانا يعملان من أجل خمسة أطفال، يحاولان أن يوفرا لهم لقمةً نظيفة، وكسرةَ خبز، وشيئًا من الحنان، وإن عجزا عن توفير كل شيء.
لكن الحرب…
لم تترك بابًا للوجع إلا وطرقته.
✦ المَرْثِيَّةُ السَّابِعَةُ✦
حِينَ يُحَاصِرُ الجُوعُ البُيُوتَ
ثم جاءت الحرب…
وكأنها لم تترك بابًا للوجع إلا طرقته.
توقفت الحركة…
وأُغلقت الأسواق…
واختفى الناس من الشوارع.
فمن يشتري الفول السوداني؟
ومن يقف ليشرب كوبًا من الماء، أو عصير الكركديه، والرصاص يسبق الخطى، والخوف يملأ الطرقات؟
في أيامٍ قليلة…
فقدت الجدة مصدر رزقها.
وفقد الجد عمله.
وأصبح البقاء داخل المنزل هو الخيار الوحيد، حفاظًا على الأرواح.
أما لقمة العيش…
فقد أصبحت طريقًا مسدودًا.
وهنا بدأت المأساة تكشف وجهها الآخر.
لا عمل…
لا طعام…
وخمسة أطفال ينتظرون ما يسدُّ جوعهم.
كان أكبرهم في الرابعة عشرة من عمره، وأصغرهم طفلةً لم تتجاوز السادسة.
أطفالٌ حملوا مع الخوف عبءَ الجوع، وقلق الغد، وأصوات المدافع التي كانت تقترب يومًا بعد يوم.
كانت الأسلحة الثقيلة، وأزيز الطائرات، يذكِّران الجميع بأن الخطر لم يغادر المكان، وأن الحياة أصبحت معلَّقة بين لحظةٍ وأخرى.
وكان حالهم كحال آلاف الأسر السودانية…
خوفٌ…
وجوع.
كانوا يقيمون في أطراف بحري، في حيٍّ بسيط، يعرف أهله معنى الكفاح، ويصنعون من القليل حياةً تستحق أن تُعاش.
قد يصفه البعض بأنه حيٌّ عشوائي…
أما أنا…
فأسميه:
حيَّ كادحي الحياة.
هناك…
تقلصت الوجبات من اثنتين إلى واحدة.
وجبةٌ يتيمة…
تنتظرها البطون الصغيرة حتى المغيب.
وفي تلك الأيام…
لم يكن الناس يبحثون عن الرفاهية.
كانوا يبحثون عن كسرة خبز…
وعن قبضة دقيق…
وعن بصيص أمل يقول إن الغد قد يكون أقلَّ قسوة.
✦ المَرْثِيَّةُ الثَّامِنَةُ✦
الطَّرِيقُ إِلَى البَيْتِ
وفي أحد الأيام…
جاء أحد الجيران يحمل خبرًا تناقله الناس على عجل.
قال إن أحد المصانع قد فُتح، وإن الناس يتجهون إليه ليأخذ كلٌّ منهم ما يستطيع حمله.
كان الجميع يفعل ذلك.
لا طمعًا…
بل بحثًا عن وسيلةٍ للبقاء.
فالجوع لا يترك للإنسان كثيرًا من الخيارات، والحرب تضيق عليه حتى أبسطها.
هناك…
تحرَّك الحفيد.
طفلٌ يحمل في قلبه من المسؤولية ما يفوق سنوات عمره.
لم يكن يفكر في نفسه…
بل في إخوته، وفي جدِّه وجدته، وفي البيت الذي ينتظر عودته بشيءٍ يخفف عنهم قسوة ذلك اليوم.
حمل ما استطاع حمله.
وحمل معه أمنيةً صغيرة…
أن يعود بما يرسم ابتسامةً على وجوه من أحب.
كان يضمُّ الكراتين إلى صدره بكلتا يديه الصغيرتين، كأنهما تحملان كنزًا يخشى أن يفقده.
ومضى بخطواتٍ متسارعة، بينما يتسابق في داخله شعوران لا يفترقان…
الخوف…
والأمل.
وكانت شفتاه تتمتمان بدعاءٍ صادق، خرج من قلب طفلٍ لم يعد يعرف من الطفولة إلا اسمها.
لم يكن يريد شيئًا لنفسه…
كان يريد فقط…
أن يصل.
✦ المَرْثِيَّةُ التَّاسِعَةُ✦
البَيْتُ الَّذِي سَبَقَتْهُ إِلَيْهِ الحَرْبُ
وحين أوشك أن يصل…
توقفت قدماه فجأة.
لم يكن يدرك في البداية ما الذي رآه.
كان الدخان يرتفع من جهة الدار، كثيفًا، أسود، كأنه يبتلع السماء، وكأن شيئًا داخله كان يخبره بأن الحياة التي تركها قبل دقائق لن تعود كما كانت.
في تلك اللحظة…
تسارعت نبضات قلبه.
وضاقت أنفاسه.
وشعر بأن خوفًا غامضًا يقترب منه قبل أن يعرف الحقيقة.
وركض…
ركض بكل ما بقي في جسده الصغير من قوة.
كان الناس يركضون في الاتجاه المعاكس.
وجوهٌ يملؤها الذعر.
وأصواتٌ تختلط بالصراخ والدعاء.
لكن قدميه لم تعرفا طريقًا غير البيت.
كانت يداه الصغيرتان ما تزالان تقبضان على الكراتين.
رفض أن يتركها…
فقد خرج من أجلهم.
ولم يكن يستطيع أن يعود خالي اليدين.
كان الأمل يركض معه…
والخوف يسبقه.
وكان الدعاء يخرج من بين شفتيه المرتجفتين، دعاء طفلٍ لم يعد يعرف من الطفولة إلا اسمها.
كان يريد فقط…
أن يصل.
كلما اقترب…
ازداد الدخان.
وازداد الصمت في داخله.
حتى وصل.
وهناك…
توقفت الدنيا.
لم يعد يسمع شيئًا كما كان.
لم يعد يرى البيت الذي خرج منه قبل قليل.
كان المكان يحمل وجهًا آخر.
وجهًا صنعته الحرب في لحظة.
الجد…
والجدة…
ومن كانوا ينتظرون عودته…
رحلوا.
وفي أطراف الدار…
كانت أخته الصغيرة، ذات الأعوام الستة، بين الحياة والموت.
جسدٌ صغير يحمل أثر كارثة أكبر من عمره.
جلس على الأرض.
لم يصرخ.
لم يبكِ.
كان ينظر فقط…
كأن الطفل الذي خرج يبحث عن لقمةٍ لأسرته، قد كبر عشرات السنين في لحظة واحدة.
كان المشهد أكبر من عمره…
وأقسى من أن يحتمله قلب طفل.
بدت القيامة وكأنها قامت في تلك البقعة الصغيرة.
واختلط الدخان برائحة الفقد.
ولم يعد يعرف…
أيحزن على من رحلوا؟
أم يبكي نفسه التي تغيّر كل شيء فيها في تلك اللحظة؟
وأحيانًا…
لا تكون النجاة من الموت نهاية الوجع، بل بداية حياةٍ يحمل فيها الإنسان ما لا يستطيع نسيانه.
أما هو…
فقد نجا.
لكن شيئًا كبيرًا منه بقي هناك…
عند ذلك البيت الذي فقد فيه كل شيء.
وكانت تلك هي مأساته
✦ المَرْثِيَّةُ العَاشِرَةُ✦
طُفُولَةٌ سُرِقَتْ مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ
نهض من مكانه…
وسار.
لم يكن يعرف إلى أين يمضي.
ولا ماذا بقي له في هذه الدنيا.
كان يمشي بلا وجهة، يحمل في صدره بيتًا كاملًا تحوّل إلى ذاكرة، وأسرةً كاملة اختصرتها لحظة انفجار.
لكن الحرب…
لم تكتفِ بما أخذته منه.
ففي طريق تيهه…
وقع في قبضة المليشيات.
لم يسأله أحد عن اسمه.
ولا عن عمره.
ولا عن الذين فقدهم قبل دقائق.
لم يسأله أحد عن ذلك الطفل الذي خرج يحمل كراتين صغيرة، يبحث عن شيءٍ يسند به جوع أسرته.
كان بالنسبة لهم طفلًا آخر ابتلعته الحرب.
اقتيد إلى عالمٍ لا يشبه الطفولة…
عالمٍ امتلأ بالخوف والعنف والقسوة.
هناك…
لم يعد الطفل يرى الحياة كما عرفها.
كان الجوع يحيط بالكثيرين، وكانت الحاجة تُستغل لإخضاع الضعفاء، حتى وجد بعض الأطفال أنفسهم أسرى لواقعٍ لم يختاروه.
رأى السلاح قبل أن يعرف معنى الأمان…
ورأى العنف قبل أن يعرف معنى الرحمة.
كان السلاح أثقل من جسده الصغير، يجرّه على الأرض، كأن الحديد نفسه يرفض أن يحمله طفلٌ لم يكتمل عمره.
وكان الخوف يسكن العيون الصغيرة التي وجدت نفسها في مكانٍ لا يشبهها.
هناك…
رأى كيف يمكن للحرب أن تغيّر ملامح الإنسان.
رأى القسوة وهي تُفرض على الضعفاء.
ورأى أطفالًا سُرقت منهم براءتهم، وأُجبروا على مواجهة واقعٍ أكبر من أعمارهم.
وكانت المخدرات، والعنف، والترهيب، وجوهًا أخرى لانهيارٍ خلّفته الحرب، حين يصبح الطفل ضحيةً لصراعٍ لم يختره.
وتروي شهاداتٌ عن أطفالٍ أُجبروا على البقاء في مواقع القتال تحت ظروفٍ قاسية، ورُبط بعضهم لمنع فرارهم، في مشاهد تكشف حجم المأساة التي يعيشها الصغار حين تتحول الحروب إلى سجنٍ كبير لأرواحهم.
لم يكن هؤلاء أطفالًا يحملون خيار الحرب…
بل كانوا أطفالًا حملتهم الحرب إلى أماكن لا يجب أن يكونوا فيها.
ومع ذلك…
بقي شيءٌ واحدٌ حيًّا في داخله.
ذلك القلب الذي عرف معنى الفقد.
ذلك القلب الذي، رغم كل ما رآه، لم يفقد قدرته على الشعور بالآخرين.
ولذلك…
كلما صادف أسرةً تحاول الفرار من الموت، أو أطفالًا يبحثون عن طريق نجاة، كان يساعدهم سرًّا على عبور نقاط الخوف.
لم يكن يملك مالًا…
ولا قوةً…
ولا حمايةً لنفسه.
لكنه كان يعرف الطريق.
كان يعرف معنى أن تبحث عن بابٍ للنجاة وأنت خائف.
كان يرى في عيونهم ذلك الرعب نفسه الذي سكن عينيه يوم عاد إلى بيته، فوجد أن الحرب سبقته إليه
✦ المَرْثِيَّةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ✦
أَطْفَالٌ رَحَلُوا… وَأَحْلَامٌ لَمْ تَكْتَمِلْ
لكن الحرب…
لا تترك دائمًا لمن تنقذهم فرصةً طويلة للنجاة.
فكم من طفلٍ خرج من بين الركام يحمل وجعًا أكبر من عمره، ثم وجد نفسه يمضي في طريقٍ لا يعرف نهايته.
كان هذا الطفل واحدًا من أولئك الذين لم تختَرهم الحرب…
لكنها اختارت أن تكتب على وجوههم آثارها.
ومع مرور الأيام…
وصل الخبر.
سمعتُ أنه رحل في إحدى المواجهات.
رحل…
كما رحل كثيرون ممن كانوا ضحايا لهذه الحرب.
أطفالٌ لم يختاروا البنادق.
ولم يختاروا ساحات القتال.
ولم يختاروا أن تُسرق طفولتهم من بين أيديهم.
لكنهم وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن حربٍ لم يكونوا طرفًا فيها.
وحين بلغني خبر رحيله…
لم أسأل كيف انتهت حياته.
بل سألت:
كم طفلًا آخر كان يمكن أن يصبح طبيبًا…
أو معلّمًا…
أو مهندسًا…
أو شاعرًا…
لو أن الحرب لم تعترض طريقه؟
وكم حلمًا صغيرًا دُفن قبل أن يعرف أصحابه أن الأحلام خُلقت لتكبر…
لا لتُدفن مع أصحابها؟
ولم تكن هذه الحكاية استثناءً…
بل كانت وجهًا واحدًا من وجوه وطنٍ امتلأ بحكاياتٍ لم تجد من يكتبها.
حكايات أطفالٍ كبروا قبل أوانهم…
وأمهاتٍ حملن من الفقد ما يفوق طاقة القلوب…
وآباءٍ خرجوا يبحثون عن الحياة، فعادوا أسماءً في ذاكرة من أحبّوهم.
فالحرب لا تكتفي بأن تأخذ الذين يرحلون…
بل تغيّر حياة الذين يبقون إلى الأبد.
تترك فيهم خوفًا لا يشيخ…
وأسئلةً لا تجد جوابًا…
وذكرياتٍ لا تستطيع السنوات محوها.
ومنذ ذلك اليوم…
لم يعد الفقد يُقاس بعدد الذين غابوا فقط…
بل بعدد الأحلام التي رحلت معهم.
✦ المَرْثِيَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ✦
أَطْفَالُ الحَرْبِ… أَمَانَةُ الوَطَنِ
ففي كل بيتٍ حكايةٌ لم تكتمل…
أمٌّ ما زالت تنظر إلى بابٍ لن يُطرق كما كان.
وجدٌّ يحتفظ في ذاكرته بأصواتٍ كانت تملأ المكان حياةً.
وطفلٌ حمل عمرًا أكبر من سنواته، لأن الحرب علّمته ما لم يكن ينبغي لطفلٍ أن يعرفه.
هؤلاء…
لم يفقدوا أشخاصًا فقط.
بل فقدوا أيامًا كانت تشبه الحياة.
فقدوا ضحكاتٍ كانت تسكن البيوت.
وأحلامًا صغيرة كانت تنتظر أن تكبر.
وطرقاتٍ كانت تعرف أسماءهم وخطواتهم.
لكن أكثر ما يؤلم في الحروب…
أنها لا تأخذ الذين رحلوا وحدهم.
بل تترك خلفهم أحياءً يحملون غيابهم كل يوم.
يحملون صورهم في الذاكرة…
وأسماءهم في الدعاء…
وحكاياتهم في القلب.
وهكذا…
صار الغياب وطنًا آخر.
وطنٌ لا تُرسم حدوده على الخرائط…
بل تُرسم في قلوب الذين فقدوا، وفي عيون الذين انتظروا، وفي أرواح الذين حاولوا أن يبقوا واقفين رغم ثقل الأيام.
فهؤلاء الأطفال الذين حملوا أعمارًا أكبر من سنواتهم…
ليسوا أرقامًا في دفاتر النزاعات.
وليسوا حكاياتٍ عابرة تُروى ثم تُنسى.
إنهم جيلٌ يحتاج إلى أن نعيد إليه ما سُلب منه:
الأمان…
والتعليم…
والرعاية…
والحق في أن يحلم من جديد.
فحماية الأطفال الناجين ليست مسؤولية أسرةٍ وحدها…
بل مسؤولية مجتمعٍ كامل.
فهم لم يختاروا الحرب…
ولم يصنعوا مآسيها…
لكنهم حملوا آثارها في أرواحهم الصغيرة.
والطفل الذي ننقذه اليوم…
هو الإنسان الذي سيبني غد الوطن.
أما الطفل الذي نتركه وحيدًا أمام الألم…
فإننا نخسر معه جزءًا من مستقبلنا.
فلنحفظ من بقي من هذه الأرواح الصغيرة…
لا شفقةً عليها فقط…
بل وفاءً لوطنٍ يريد أن ينهض من رماده.
✦ المَرْثِيَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ✦
حِينَ تَبْقَى الحِكَايَةُ بَعْدَ الرَّحِيلِ
وهنا…
تتوقف هذه الصفحات.
لا لأن الحكايات انتهت…
فوجع الوطن أكبر من أن يُحاصر في فصلٍ واحد، ودموع الناس أكثر من أن تحتويها الكلمات.
بل لأن بعض الصمت أبلغ من الحروف…
وبعض الغياب أكبر من أن يُروى.
لكنني أكتب…
لأن ما حدث لا يجب أن يُنسى.
وأكتب…
لأن خلف كل اسمٍ غاب، قصة إنسانٍ كان يحلم بالحياة.
وأكتب…
لأشهد أن الذين رحلوا لم يكونوا أرقامًا…
وأن الذين بقوا لم يكونوا مجرد ناجين…
بل كانوا يحملون وطنًا كاملًا في صدورهم.
فالحرب قد تأخذ الوجوه…
وقد تغلق الأبواب…
وقد تغيّر ملامح الأماكن.
لكنها لا تستطيع أن تمحو ذاكرة من أحبّوا.
ولا أن تطفئ صوت الحكايات التي تبحث عن طريقها إلى النور.
فكل أمٍّ انتظرت…
وكل طفلٍ كبر قبل أوانه…
وكل إنسانٍ حمل وجعه بصمت…
له مكانٌ في ذاكرة هذا الوطن.
وهذه الصفحات ليست نهاية الحكايات…
بل شهادةٌ على أن الإنسان، رغم كل ما ينكسر فيه، يظل قادرًا على أن يحمل الرحمة، وأن يحفظ الوفاء، وأن يبحث عن معنى للحياة وسط الركام.
لأن الوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها…
بل بقلوبٍ لم تفقد إنسانيتها.
وهكذا…
يبقى الغياب وطنًا آخر.
وطنٌ تسكنه الذاكرة…
ويحرسه الوفاء.
❀𓆩•҉᭄𓆪❥
تَوْقِيعُ العَنْقَاءِ. ❀𓆩•҉᭄𓆪❥
«أكتبُ لأنَّ الذاكرةَ أمانة…
ولأنَّ الذين غابوا لا يملكون اليومَ إلا أصواتَ من بقوا.
أكتبُ عن الفقد…
لا لأمنحَ الحزنَ عمرًا أطول، بل لأمنحَ الحقيقةَ حقَّها في أن تُروى.
فكلُّ اسمٍ غاب…
كان بيتًا من الأحلام.
وكلُّ وجهٍ رحل…
كان وطنًا صغيرًا يسكن قلوبَ أحبّته.
أنا لا أجمعُ الحكاياتِ من دفاتر التاريخ…
بل من عيونِ الأمهات، ومن صمتِ الآباء، ومن ارتجافةِ الأطفال حين يفيقون على أصوات الحرب.
ومن بين الرماد…
أفتّش عن الإنسان.
فإذا وجدته حيًّا في رحمته، وفي وفائه، وفي قدرته على أن يحبَّ رغم كل ما انكسر…
أدركتُ أن الوطن، وإن أثقلته الجراح، ما زال حيًّا.
أنا عنقاءُ الحروف…
لا أكتبُ لأرثي الموت…
بل لأشهدَ أن الذين رحلوا تركوا في أعناقنا مسؤوليةَ أن نحفظ أسماءهم، وأن نصون حكاياتهم من النسيان.
فبعض الغياب…
لا ينتهي بالرحيل.
بل يبدأ منه وطنٌ آخر…
تسكنه الذاكرة…
ويحرسه الوفاء.»
عنقاء الحروف – من شهود الرماد لا من رواة الحكاية
✍️ عَبِيرُ نَبِيلٍ مُحَمَّد
❀𓆩•҉᭄𓆪❥
اِمْرَأَةٌ مِنْ حِبْرِ النَّارِ ❥
❀𓆩•҉᭄𓆪❥

✦ عَبْرُ الرَّمَادِ… إِلَى مَرْثِيَّةٍ أُخْرَى ✦
لكن….
هل ينتهي وجعُ الإنسان حين ينجو من الموت؟
أم أن هناك حروبًا أخرى تبدأ بعد النجاة؟
فكم من إنسانٍ خرج من بين الرصاص حيًّا…
ثم وجد نفسه أمام معركةٍ أشد قسوة:
معركة البقاء.
فالحرب لا تترك خلفها الفقد وحده…
بل تترك وراءها بيوتًا أنهكها الغياب، وأسرًا أثقلها الانتظار، وأناسًا يخوضون كل يوم معركةً جديدة من أجل لقمة العيش.
فبعد أن تحدثنا عن الذين رحلوا…
هناك من بقوا يحملون آثار الرحيل في قلوبهم، ويواصلون السير رغم ثقل الأيام.
ومن هنا…

“تبدأ مراثي الجوع والغلاء…
حين صار العيش امتحانًا يوميًّا.”

عزيزي القارئ…
إن كنت قد رافقتني في هذه الصفحات بين وجوه الفقد، وطرقات الغياب، وحكايات الذين حملوا فوق أعمارهم ما لا يُحتمل…
فدعنا نواصل معًا رحلة الشهادة.
فالحكاية لم تنتهِ بعد…
فما زالت هناك وجوهٌ تنتظر أن تُرى، وأصواتٌ تبحث عن من يسمعها، وقلوبٌ تخوض معارك صامتة لا تقل وجعًا عن معارك الحرب.
سنقترب من أولئك الذين لم تفقدهم الحرب وحدها…
بل أثقلتهم أيامها.
من أناسٍ أصبح الخبز عندهم أمنية…
والدواء رجاءً…
والعيش بكرامة حلمًا يحتاج إلى الصبر الطويل.
فلنمضِ معًا إلى مراثي الجوع والغلاء…
حيث لا يكون السؤال فقط:
كيف فقد الناس من أحبّوا؟
بل كيف يحاولون أن يبقوا واقفين أمام قسوة الحياة؟
❀𓆩•҉᭄𓆪❥
نَلْتَقِي فِي صَفَحَاتٍ أُخْرَى مِنْ هَذَا السِّفْر…
حَيْثُ تَبْقَى الحِكَايَاتُ حَيَّةً فِي ذَاكِرَةِ الوَطَن…
❀𓆩•҉᭄𓆪❥
مَرَاثِي وَطَنٍ لَا يَمُوت
سِفْرُ الوَجَعِ السُّودَانِيِّ عَلَى حَافَّةِ الرَّمَادِ وَالصَّبْر
❀𓆩•҉᭄𓆪❥

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات