ما أعلنه السيد وزير الثقافة والإعلام عن عزم الوزارة إنشاء إصدارة صحفية وطنية جامعة، تُضاهي في طموحها صحيفة الأهرام المصرية أو هيئة الإذاعة البريطانية، يفتح باباً واسعاً للنقاش، لا حول الفكرة في ذاتها، وإنما حول ترتيب الأولويات، وقراءة التاريخ، وفهم طبيعة الإعلام في الدولة الحديثة.
فالصحافة العظيمة لا تُنشأ بقرارٍ وزاري، ولا تُولد من رحم الرغبات السياسية، وإنما تتخلق عبر عقود من المهنية، والاستقلال، والتقاليد المؤسسية، والثقة التي يمنحها الجمهور لا السلطة.
ويبدو أن التاريخ الإعلامي السوداني لم يُستدعَ إلى طاولة التفكير قبل إطلاق هذا المشروع.
لقد جرب السودان، في مراحل مختلفة، إنشاء صحف رسمية أو شبه رسمية حظيت بالدعم السياسي والمالي والإداري، ومُنحت من الامتيازات ما لم يتح لغيرها، لكنها لم تستطع أن تحجز لنفسها مكاناً في ضمير القارئ ولا في ذاكرة المهنة. فمن صحيفة الإنقاذ الوطني، إلى السودان الحديث وهما الأقرب تأريخياً ثم الرائد دونهما قرباً .. تتكرر الحكاية ذاتها: إمكانات كبيرة، وحماية رسمية، ثم نهاية صامتة، لأن الصحيفة لا تعيش بما يُنفق عليها، وإنما بما تمنحه للناس من مصداقية واحترام.
لقد أثبتت التجربة أن الإعلام الذي يُصنع داخل المكاتب الحكومية يظل أسير المزاج السياسي، بينما الإعلام الحقيقي يولد في فضاء الحرية، ويتغذى على التنافس، ويكبر بثقة جمهوره.
ولهذا تتجه الدول اليوم، حتى تلك التي تمتلك مؤسسات إعلامية عامة عريقة، إلى تعزيز استقلالية الإعلام، لا إلى إحكام قبضتها عليه؛ فتسن القوانين المنظمة، وتضع الأطر الأخلاقية والمهنية، وتحاسب عند الخطأ، لكنها لا تنافس المجتمع في صناعة الخبر والرأي، ولا تجعل الدولة خصماً وحكماً وناشراً في آنٍ واحد.
وقبل التفكير في إنشاء مؤسسة جديدة، يفرض الواقع السوداني سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا فعلت الوزارة بالمؤسسات القائمة؟
هل يعلم السيد الوزير أن وكالة السودان للأنباء (سونا)، وهي الصوت الرسمي للدولة، ومصدر أخبارها، وواجهة سيادتها الإعلامية، تعيش اليوم أوضاعاً لا تليق بمؤسسة تمثل السودان؟
هل يعلم أن هذه المؤسسة العريقة لا تملك مقراً مستقراً يليق بتاريخها، وأن صحفييها يؤدون رسالتهم في ظروف قاسية، حتى غدا تحرير الأخبار يتم من قارعات الطرق، ومن تحت ظلال الأشجار، في مشهد يختزل حجم الإهمال الذي أصاب الإعلام الرسمي؟
ثم ماذا عن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات؟
ذلك المجلس الذي كان ينبغي أن يكون ضابط إيقاع المهنة، وحارس معاييرها، ومرجعها التنظيمي، أصبح حضوره باهتاً، حتى كأنه غاب عن المشهد، بينما الصحافة السودانية تواجه واحدة من أصعب مراحلها في تاريخها الحديث.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
هل نحن بحاجة إلى مؤسسات جديدة؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة تأسيس المؤسسات القائمة، وإحيائها، وتحديثها، واستثمار ما تختزنه من خبرات وطنية تراكمت عبر عقود؟
إن بناء مؤسسة جديدة فوق أنقاض مؤسسات تحتضر، يشبه تشييد منزل جديد بينما البيت القديم ينهار بمن فيه.
فالحكمة الإدارية تقول إن الإصلاح يبدأ من الموجود قبل البحث عن المفقود، وإن تطوير المؤسسات أقل كلفة، وأكثر حكمة، وأعمق أثراً من صناعة كيانات جديدة قد تعيد إنتاج الإخفاق ذاته.
إن السودان لا يعاني من نقص في المؤسسات، بقدر ما يعاني من غياب الرؤية، وضعف الإدارة، واهتزاز الأولويات.
ولعل حكمة السودانيين القديمة تختصر المشهد كله حين قالت:
“الجفلن خلهن… أقرع الواقفات.”
فلا معنى للبحث عن مشاريع جديدة، بينما المؤسسات القائمة تنتظر من يمد لها يد الحياة.
إن معركة الإعلام السوداني اليوم ليست معركة إنشاء صحيفة جديدة، وإنما معركة استعادة الثقة، وإعادة بناء المؤسسات، وصيانة الكفاءات، وإطلاق حرية المهنة في إطار القانون، لأن الصحافة لا تصبح وطنية بقرار، وإنما تصبح وطنية حين يثق الوطن كله فيما تكتب.
