الأربعاء, يوليو 1, 2026
الرئيسيةمقالاتمشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السودانيالحلقة (1) "نفكك الأفكار التي صنعت الأزمة…...

مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السودانيالحلقة (1) “نفكك الأفكار التي صنعت الأزمة… لنفتح الطريق إلى دولة يصنعها الوعي.” بقلم أ / زكريا علي عبدالرسول كاتب ومحلل سياسي




●السودان لا يعيش أزمة حرب… بل أزمة عقل جمعي

منذ اندلاع الحرب، انشغل السودانيون بالسؤال الذي بدا أكثر إلحاحاً: من المسؤول؟ وتفرعت عنه أسئلة أخرى لا تقل حضوراً: من أشعل الحرب؟ ومن يتحمل نتائجها؟ ومن سينتصر؟ غير أن هذه الأسئلة، على مشروعيتها، ظلت تدور حول الحدث، ولم تقترب من البنية التي أنتجت الحدث.
هذا المشروع الفكري ينطلق من فرضية مختلفة، وربما صادمة للبعض، وهي أن السودان لا يعيش أزمة حرب، ولا حتى أزمة سلطة، وإنما يعيش أزمة عقل جمعي انعكست على السياسة، فأنتجت دولة تعيد إنتاج أزماتها باستمرار. فالحروب، مهما بلغت قسوتها، ليست سوى أعراض لمرض أعمق، وما لم يُشخَّص المرض الحقيقي، فإن تبدل الحكومات أو توقف المعارك لن يكون سوى هدنة مؤقتة في مسار أزمة طويلة.
فالسياسة ليست نقطة البداية، وإنما هي آخر حلقات سلسلة تبدأ من الثقافة، ومن التربية، ومن المدرسة، ومن الرواية التاريخية، ومن الطريقة التي نفهم بها الهوية والسلطة والاختلاف. والسياسي لا يهبط من السماء، بل يخرج من المجتمع، ويحمل معه منظومة القيم والتصورات نفسها التي يحملها ذلك المجتمع. فإذا كان العقل الجمعي مأزوماً، فإن السلطة لن تكون سوى صورته المكبرة.
ولهذا السبب، تعاقبت على السودان حكومات مدنية وعسكرية، ورفعت مشاريع وشعارات متناقضة، وتغيرت القيادات والوجوه، بينما بقيت الأزمة تعود في كل مرة بثوب جديد. ولو كانت المشكلة في الأشخاص وحدهم، لانتهت برحيلهم، لكن الثابت الوحيد في التجربة السودانية هو أن الأشخاص يتغيرون، بينما تبقى طريقة التفكير التي تُدار بها الدولة كما هي، فتستمر في إنتاج النتيجة نفسها.
لقد اعتدنا أن نبحث عن الشخص الذي أخطأ، بينما لم نعتد أن نسأل عن الفكرة التي أنتجت ذلك الخطأ. واعتدنا أن نستبدل الحكومات، لكننا لم نحاول استبدال أنماط التفكير التي جعلت كل حكومة تقع في الفخ ذاته. ولذلك ظل السودان يدور في حلقة مغلقة، يتغير فيها اللاعبون، بينما تبقى قواعد اللعبة على حالها.
ولعل أخطر ما كشفت عنه الحرب أنها لم تصنع الكراهية، بل رفعت الغطاء عنها. فالكراهية لا تولد في ساحات القتال، وإنما تنمو بصمت داخل البيوت، والمدارس، والمنابر، والخطابات السياسية، والروايات التاريخية، وحتى داخل اللغة اليومية التي نصف بها بعضنا بعضاً. كانت كامنة في الأعماق، لكن الدولة، رغم هشاشتها، كانت تؤجل انفجارها. وعندما انهارت مؤسساتها، خرجت تلك المشاعر إلى العلن، وتحولت من همسات إلى شعارات، ومن انطباعات إلى مواقف، ومن خلافات سياسية إلى خصومات وجودية تهدد فكرة الوطن نفسها.
ومن هنا، فإن العنصرية ليست مجرد ألفاظ جارحة أو مواقف انفعالية، وإنما هي نتيجة طبيعية لعقل جمعي يبدأ بالنظر إلى الإنسان من خلال قبيلته أو جهته أو لونه أو ثقافته، قبل أن ينظر إليه بوصفه مواطناً. وعندما تصبح الهوية معيار الحقوق والواجبات، وتصبح المواطنة مفهوماً ثانوياً، تكون الدولة قد بدأت تفقد معناها الحقيقي.
لقد أخطأنا كثيراً عندما تصورنا أن مشكلة السودان تكمن في تنوعه. فالتاريخ الإنساني يقدم عشرات الدول التي يفوق تنوعها السودان، لكنها استطاعت أن تجعل من اختلافها مصدر قوة. ولذلك فالمشكلة ليست في تعدد الأعراق أو القبائل أو الثقافات، وإنما في الفشل في بناء دولة قادرة على إدارة هذا التنوع بعدالة، وتحويله إلى مصدر إثراء بدلاً من أن يصبح وقوداً للصراع.
إن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الدولة إلى غنيمة، لا إلى مؤسسة. وعندما تصبح السلطة هدفاً في ذاتها، لا وسيلة لخدمة المجتمع. وعندما يتحول الانتماء إلى وسيلة للحصول على الحقوق، بدلاً من أن تكون المواطنة هي الإطار الذي يضمنها للجميع. عندها يصبح الصراع على الدولة صراعاً على البقاء، لا تنافساً سياسياً، ويتحول الخصم إلى عدو، والاختلاف إلى تهديد.
ومن أخطر نتائج هذا المسار أن المجتمع يبدأ في صناعة “الآخر”. فلا يعود المختلف شريكاً في بناء المستقبل، بل يصبح تفسيراً جاهزاً لكل فشل، وسبباً لكل أزمة. وهكذا تتراجع القدرة على نقد الذات، ويُستبدل بها البحث الدائم عن متهم، حتى تصبح الكراهية وسيلة للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للمأزق الوطني.
ولهذا فإن وقف الحرب، على أهميته، لن يكون نهاية المأساة إذا بقي العقل الذي أنتجها على حاله. فإعادة إعمار المدن أسهل كثيراً من إعادة إعمار العقول، وبناء الجسور أيسر من إعادة بناء الثقة بين الناس. أما الدولة، فلن تُبنى بالاتفاقات وحدها، وإنما تُبنى عندما يقتنع أبناؤها بأن اختلافهم لا ينفي وحدتهم، وأن المواطنة أوسع من كل الانتماءات الأخرى.
إن السؤال الذي يجب أن يشغل السودانيين بعد الحرب ليس: من سيحكم السودان؟ بل: كيف يفكر السودانيون في الدولة، وفي السلطة، وفي بعضهم بعضاً؟ لأن طريقة التفكير هي التي تصنع شكل الدولة، والدولة ليست سوى انعكاس للعقل الذي أنشأها.
ومن هنا يبدأ هذا المشروع الفكري. لا للدفاع عن طرف، ولا لمهاجمة طرف، وإنما لمحاولة تفكيك البنية الفكرية التي حكمت التجربة السودانية لعقود طويلة، والبحث عن الأسس التي يمكن أن يقوم عليها عقد وطني جديد، يعيد تعريف الدولة بوصفها وطناً للجميع، لا ميداناً لغلبة بعضهم على بعض.
إن الدول لا تنهار عندما تخسر معركة، وإنما تنهار عندما يفقد مواطنوها الإيمان بفكرة العيش المشترك. ولذلك فإن المعركة الحقيقية التي تنتظر السودان ليست معركة السلاح، بل معركة الوعي. فإذا انتصر الوعي، أصبح بناء الدولة ممكناً. وإذا بقي العقل أسيراً للأفكار التي صنعت الأزمة، فإن التاريخ سيعيد نفسه، مهما تغيرت الوجوه، ومهما تبدلت الرايات.
هذه ليست خاتمة لمقال، وإنما بداية لمسار فكري طويل. فالمشروع الذي يبدأ اليوم لا يبحث عن إجابات سهلة، ولا يطارد ضجيج اللحظة، وإنما يسعى إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تجنبها الفكر السياسي السوداني طويلاً، لأن إصلاح السياسة لا يبدأ من تغيير الحكومات، بل من تغيير الطريقة التي نفكر بها في الدولة، والسلطة، والوطن، والإنسان السوداني.
────────
في الحلقة القادمة…
○ كيف تشكّل العقل الجمعي السوداني؟
رحلة في التاريخ والثقافة والسياسة لفهم الجذور العميقة للأزمة السودانية، ولماذا أصبح السودانيون يعيدون إنتاج الصراع كلما ظنوا أنهم اقتربوا من نهايته.
────────
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات