في الجغرافيا السياسية ثمة دول لا تسمح لها مواقعها بأن تكون هامشية مهما تبدلت أنظمتها أو تعاقبت أزماتها. والسودان واحد من هذه الدول إذ يقف عند تقاطع ثلاث دوائر استراتيجية شديدة الحساسية: النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن هنا فإن ما يجري فيه لا يبقى شأنًا سودانيًا خالصًا بل يمتد أثره إلى توازنات الإقليم وأمنه ومصالح القوى المحيطة به.
في الحساب المصري يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن معادلات الأمن القومي المصري. فالحدود المشتركة وحوض النيل، والامتداد الأفريقي والبحر الأحمر تجعل استقرار السودان جزءًا من منظومة أمنية وسياسية متشابكة تزداد حساسيتها مع تصاعد التنافس الإقليمي حول موارد المياه ومستقبل القرن الأفريقي
أما في الحساب السعودي فيظهر السودان من بوابة مختلفة وإن كانت متقاطعة: البحر الأحمر والأمن البحري والتجارة، والاستثمار وإعادة الإعمار. فالساحل السوداني ليس مجرد واجهة بحرية بل جزء من فضاء استراتيجي تتزايد أهميته في ظل التحولات التي يشهدها البحر الأحمر وتنامي الحاجة إلى تأمين طرق التجارة والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد.
وهكذا تختلف زاوية النظر بين القاهرة والرياض لكنهما تلتقيان عند حقيقة استراتيجية واحدة السودان المستقر يمثل عنصرًا من عناصر استقرار الإقليم بينما يؤدي تفككه إلى إنتاج فراغ جيوسياسي يصعب احتواؤه.
غير أن الاعتراف بتقاطع المصالح لا ينبغي أن يقود إلى اختزال السودان في كونه ساحة لتنافس النفوذ. فالسودان ليس فراغًا جيوسياسيًا تنتظر القوى الإقليمية ملأه ولا ورقة يمكن تحريكها داخل حسابات الآخرين بل دولة ذات موقع استثنائي وموارد واسعة وامتداد أفريقي وعربي وساحل استراتيجي وعمق بشري واقتصادي يؤهلها لأن تكون شريكًا في صياغة المعادلات لا مجرد موضوع لها.
ومن هنا تبدأ المسؤولية السودانية الحقيقية أن ينتقل السودان من موقع الدولة التي تُقرأ في حسابات الآخرين إلى موقع الدولة التي تفرض حضورها في تلك الحسابات.
فالسعودية تحتاج إلى سودان مستقر وآمن على البحر الأحمر ومصر تحتاج إلى سودان مستقر على حدودها الجنوبية وفي منظومة النيل بينما يحتاج السودان إلى شراكات عربية وإقليمية تقوم على المصالح المتبادلة وتحترم سيادته وتدعم استقراره وإعادة بناء مؤسساته واقتصاده.
وفي هذا السياق يمكن أن يتحول البحر الأحمر من مساحة تنافس إلى منصة تعاون عبر الأمن البحري وتطوير الموانئ والطاقة والتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد ومشروعات إعادة الإعمار. وهي مجالات لا تجعل السودان مستفيدًا من الشراكة فحسب بل تمنحه فرصة للتحول إلى مركز اقتصادي واستراتيجي مؤثر.
لكن نجاح هذه المعادلة يظل مشروطًا بوجود دولة سودانية قادرة على إدارة موقعها الجيوسياسي بوعي واستقلالية فالموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ والثروة لا تتحول تلقائيًا إلى قوة والشراكات الخارجية لا تصبح تلقائيًا مكاسب وطنية.
القوة الحقيقية تبدأ حين تمتلك الدولة القدرة على تحويل جغرافيتها إلى سياسة ومواردها إلى اقتصاد وشراكاتها إلى نفوذ ونفوذها إلى تنمية
لذلك لا يحتاج السودان إلى الاختيار بين القاهرة والرياض ولا إلى الوقوف في منطقة رمادية بينهما بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية مستقلة تجعل علاقاته مع مصر والسعودية، ومع بقية محيطه العربي والأفريقي والدولي أدوات لتعظيم مصالحه الوطنية وحماية سيادته وتعزيز استقراره.
فالسودان في الحساب المصري عمقٌ استراتيجي وفي الحساب السعودي شريكٌ مهم في معادلة البحر الأحمر وفي الحساب السوداني يجب أن يكون دولةً تعيد تعريف موقعها بنفسها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى
الجغرافيا منحت السودان موقعًا استثنائيًا لكن الدولة القوية وحدها تستطيع أن تحول الموقع إلى نفوذ والنفوذ إلى تنمية، والشراكة إلى قوة وطنية.
د. نفيسة إبراهيم الأمير
