الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةمقالاتحين قالت الاغلبية المقهورة كلمتها …لاتعايش مع من كسر الدوله وأذلّ كرامة...

حين قالت الاغلبية المقهورة كلمتها …لاتعايش مع من كسر الدوله وأذلّ كرامة شعبها الكاتب والمحلل السياسي: زكريا علي عبدالرسول

في ظل التحولات الدامية التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب في السودان 2023، لم يعد الحديث عن “التعايش” مع قوات الدعم السريع طرحاً سياسياً قابلاً للنقاش بقدر ما أصبح مسألة مرفوضة وجدانياً لدى قطاعات واسعة من السودانيين. فالأمر لم يعد متعلقاً بتباين في الرؤى، بل بتجارب معاشة صنعت ذاكرة جماعية مثقلة بالألم، يصعب القفز فوقها أو إعادة تعريفها.
في الخرطوم، حيث تداخلت الحياة اليومية مع مشاهد الحرب، لم يعد المواطن ينظر إلى الصراع من زاوية بعيدة، بل من داخل منزله وحيّه. اقتحام البيوت، النهب، والترويع، لم تعد روايات متداولة، بل وقائع شكّلت وعياً جديداً يربط بين غياب الأمان ووجود هذه القوة. ومع كل تجربة شخصية، تترسخ قناعة بأن التعايش ليس خياراً واقعياً في ظل هذه المعطيات.
أما في دارفور، فإن المشهد يتجاوز حدود الصراع المسلح إلى أبعاد أكثر عمقاً. هناك، أعادت الأحداث فتح جراح تاريخية، ورسّخت شعوراً بالخوف الوجودي لدى المجتمعات المحلية. في مثل هذا السياق، لا يُنظر إلى التعايش كحل، بل كإنكار لمعاناة لم تجد طريقها بعد إلى الإنصاف.
التقارير الصادرة عن منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وثّقت أنماطاً من الانتهاكات، من بينها العنف الجنسي واعتداءات على المدنيين. هذه الوقائع، بما تحمله من آثار نفسية واجتماعية عميقة، لم تترك مجالاً لبناء حد أدنى من الثقة، وهو الشرط الأول لأي حديث عن تعايش.
من هنا، لم يعد رفض التعايش موقفاً سياسياً عابراً، بل تحوّل إلى ما يشبه الإجماع الشعبي في كثير من المناطق. المواطن الذي فقد منزله أو أحد أفراد أسرته، لا يرى في دعوات التعايش سوى محاولة لتجاوز معاناته دون الاعتراف بها أو محاسبة المسؤولين عنها. ومع استمرار غياب المساءلة، يترسخ هذا الرفض كخيار أخلاقي قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
هذا الرفض الشعبي لم يبقَ في حدود الشعور العام، بل تحوّل إلى قوة ضغط حقيقية وضعت القوات المسلحة السودانية أمام اختبار مفصلي. فالإرادة التي تشكّلت تحت وقع الانتهاكات لم تترك مساحة واسعة للمناورة، وفرضت معادلة واضحة: لا تفريط في سيادة الدولة، ولا قبول بمسارات تفاوضية تُساوي بين الدولة ومن يُنظر إليهم كقوة مهددة لها. بهذا المعنى، لم يعد القرار محصوراً في دوائر السياسة، بل أصبح بوضوح لا لبس فيه قرار شعب، يحدد سقف الممكن ويرسم حدود المقبول.
وفي المقابل، يتجه الخطاب العام نحو مطالبة الدولة بموقف يعيد الاعتبار لفكرة السيادة، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الأمن مسؤولية مؤسسات وطنية خاضعة للقانون. هذه المطالب لا تعكس فقط رغبة في إنهاء الصراع، بل تعبر عن حاجة عميقة لاستعادة الإحساس بالدولة كحامٍ لمواطنيها، لا ككيان عاجز عن حمايتهم.
إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في وجود قوات الدعم السريع، بل في غياب منظومة عدالة قادرة على محاسبة المنتهكين وإعادة بناء الثقة. وبين ذاكرة لا تزال تنزف، وواقع لم تتبلور فيه معالم الإنصاف، يتكرس موقف واضح: لا تعايش قبل العدالة، ولا استقرار دون مساءلة.
في السودان اليوم، لم يعد هذا الرفض تعبيراً عن تعنت، بل عن وعي جمعي تشكّل تحت ضغط التجربة، ويبحث عن حد أدنى من الكرامة قبل أي تسوية. فالأوطان لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف، ولا تُصان سيادتها بالمساومات، بل بإرادة شعوبها.
،،،سروري مع خالص تحياتي،،،




مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات