الأربعاء, مارس 25, 2026
الرئيسيةمقالاتالمحليات بين واجب الدولة ووجع المواطن رسالة مفتوحة إلى السيد "رئيس مجلس...

المحليات بين واجب الدولة ووجع المواطن رسالة مفتوحة إلى السيد “رئيس مجلس السيادة

كتب: عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

سيدي رئيس مجلس السيادة،
ليست هذه الكلمات ترفاً سياسياً، ولا خطاباً للاستهلاك الإعلامي، بل هي صرخة مواطن أنهكته الحرب، وأرهقته محاولات النهوض من تحت الركام، ثم وجد نفسه يصطدم بواقعٍ أشد قسوة… واقعٍ تصنعه المحليات.
لقد أصبحت المحليات – في نظر المواطن – ليست جهة تنظيم وخدمة، بل عبئاً ثقيلاً، بل ويمكن القول إنها تحولت إلى ما يشبه “الدولة داخل الدولة”، تعتمد على الجبايات والرسوم غير المدروسة كخيار وحيد، دون اعتبار لواقع الناس ولا لظروف البلاد الاستثنائية.
سيدي الرئيس،
كيف يُطلب من مواطن فقد منزله، وتشردت أسرته، وضاعت مدخراته، أن يدفع ملياراً أو أكثر ليبدأ مشروعاً صغيراً يعيد له كرامته؟
كيف تتحول بداية التعافي إلى فخ مالي يدفعه للهروب مرة أخرى بدل الاستقرار؟
إن ما يحدث اليوم في ولاية الخرطوم – بشهادة العائدين – أن كثيراً من المواطنين الذين عادوا بعد النزوح، اضطروا للنزوح مجدداً، ليس بسبب الحرب هذه المرة، بل بسبب ممارسات المحليات التي أصبحت طاردة للاستثمار، منفرة للمواطن، ومعيقة لأي محاولة جادة لإعادة الإعمار.
المحليات اليوم تعاني من ثلاث أزمات حقيقية:
أزمة دور:
تحولت من جهة خدمية تنظيمية إلى جهة جباية فقط، تركز على التحصيل وتغفل عن التخطيط والتنظيم والرقابة.
أزمة أخلاق مهنية:
ممارسات بعض الموظفين – من تعسف وابتزاز وسوء معاملة – خلقت فجوة نفسية عميقة بين المواطن والدولة.
أزمة رؤية:
لا توجد سياسات تراعي ظرف ما بعد الحرب، ولا أي حس استراتيجي يدعم العودة الطوعية أو يشجع الاستثمار.
سيدي الرئيس،
إن الدولة التي تريد من شعبها أن يعود، يجب أن تفتح له الأبواب، لا أن تضع أمامه المتاريس.
والدولة التي تسعى لإعادة البناء، لا يمكن أن تسمح بأن تكون أدواتها سبباً في الهدم.
ما يحدث الآن هو عكس ذلك تماماً.
المحليات – في صورتها الحالية – أصبحت “بعبعاً” يخيف كل من يفكر في بدء مشروع، ويهدد كل من جمع رأس مال بسيطاً خلال فترة النزوح، وكأن الرسالة غير المعلنة: لا تبدأ… لا تعمل… لا تعُد.
وهنا مكمن الخطر الحقيقي.
لأن استمرار هذا النهج يعني:
إطالة أمد النزوح
قتل روح المبادرة الفردية
تعطيل عجلة الاقتصاد المحلي
وتكريس الفوضى والفساد
سيدي رئيس مجلس السيادة،
إننا لا نطالب بالمستحيل، بل بالحد الأدنى من العدالة والعقل:
إيقاف حملات الجبايات العشوائية فوراً في ولاية الخرطوم
مراجعة شاملة لسياسات المحليات المالية
إعادة تعريف دور المحليات كجهات خدمية لا جباية
محاسبة كل من يثبت تورطه في ممارسات فاسدة أو غير إنسانية
وضع حوافز حقيقية لتشجيع العودة الطوعية والاستثمار الصغير
ختاماً،
يكفي ما فقده هذا الشعب…
يكفي ما تحمله من ألم ونزوح ودمار…
وهو اليوم لا يطلب كثيراً، فقط يريد دولة تقف معه، لا ضده…
تدعمه، لا تكسر مجاديفه…
وتفتح له الطريق، لا تغلقه في وجهه.
إن إصلاح المحليات لم يعد خياراً… بل ضرورة وطنية عاجلة.
والتاريخ لا يرحم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات