الأربعاء, مارس 25, 2026
الرئيسيةمقالاتسقوط البدايات عندما تطغى الأيدولوجيا على مقتضيات الدولة

سقوط البدايات عندما تطغى الأيدولوجيا على مقتضيات الدولة



دكتور أمجد فريد ، في أولى خطواته على رقعة الدبلوماسية الرسمية، وبدلاً من أن يطوي مستشار البرهان للعلاقات الخارجية، صفحة التمترس الأيدلوجي ليعانق فضاءات “رجل الدولة”، آثر أن يبدأ مشواره بارتدادٍ لافت نحو “مبارزة الظلال” وتصفية الحسابات التاريخية. فقد جاء تصريحه الأول بشأن محاكمة الرئيس الأسبق عمر البشير في دولة قطر، فلم يكن هفوةً سياسيةً مجردة ، وإنما كان كشفاً صريحاً عن عجزٍ بنيوي في الفصل بين “الناشط الحزبي” و”المسؤول السيادي”.
كنا ننتظر من الرجل، وهو يتقلد ملفاً بوزن العلاقات الخارجية في توقيتٍ مفصلي من تاريخ السودان، أن يتخفف من أثقال “شيوعيته القديمة” وخصوماتها التقليدية مع اليمين، ليتدثر بثوب الوطن الفضفاض. فالعمل الرسمي في هذه المرحلة يملي على صاحبه أن يضع “الضرورات الوطنية” فوق “التشفي السياسي”. غير أن فريد آثر إعادة إنتاج الصراعات الصفرية، متجاهلاً أن أولويات البلد اليوم لا تكمن في نبش ملفات باتت – برغم رمزيتها – ثانوية أمام عظم الكارثة الوجودية التي تهدد كيان الدولة السودانية.
إن الحديث عن محاكمة البشير في هذا التوقيت وبالصيغة التي طرحها المستشار، لا تخدم مصالح السودان الخارجية، بقدر ما تعكس حالة من “التوهان الإستراتيجي”. فبينما تتقلب الخارطة السياسية الدولية، وتشتد الحاجة لتمتين التحالفات وجلب المكاسب السياسية والاقتصادية، يرتد الخطاب الرسمي إلى خانة “التفشي”، وهي خانة لم تعد تحقق كسباً سياسياً ولا تملك وزناً في موازين القوى الراهنة.
لقد سقط المستشار في اختبار “النضج السياسي” قبل أن يخطو خطوته الثانية. فبدلاً من أن يكون جسراً يعبر بالبلاد نحو آفاق دبلوماسية أرحب، ظهر كمن يحرث في بحر الأيدلوجيا القديم، مضحياً بوقاره كمسؤول سيادي في سبيل انتصارٍ معنوي زائف لفكره الضيق.
لقد كان المأمول أن نرى في د. أمجد فريد محركاً لحراك دبلوماسي رصين، يقرأ تقلبات الوضع السياسي بعين الخبير، ويواجه ملفات الخارج بعقلية “البراغماتية الوطنية”. لكن، ومع الأسف، جاءت البداية مخيبة للآمال ، فقد سقط الرجل في فخ الذات الحزبية، ليثبت أن الانعتاق من أسر الأيدلوجيا أصعب بكثير من اعتلاء المناصب السيادية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات