السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتندى الحروف ...

ندى الحروف الموت الأصفر بقلم/ إبراهيم محمدنور


الذهب الذي كان حلماً بالثروة تحول إلى كابوس يهدد حياة الإنسان والأرض في الولاية الشمالية.
مصانع السيانيد لم تعد مجرد نشاط تعديني، بل أصبحت موتاً أصفر يتسلل إلى النيل والزرع والبيوت، فارضاً على المواطنين مواجهة الهجرة والمرض والموت البطيء.
تعيش الولاية الشمالية على وقع كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة بسبب الانتشار الواسع لمصانع ومخلفات السيانيد المرتبطة بالتعدين العشوائي عن الذهب.
هذه السموم لم تعد مجرد مخاطر محتملة، بل واقع يهدد حياة الإنسان والحيوان، ويضرب مقومات الأرض والزرع، ويفرض على المواطنين هجرة قسرية تشبه ما حدث في عهود التهجير مع بناء السد العالي وخزان مروي، غير أن المأساة اليوم تتم بأداة مختلفة هي السيانيد، الموت الصامت الذي يتسلل إلى كل بيت.
المشكلة ليست في الذهب، بل في الطريقة التي يتم بها استخراجه على حساب حياة الناس.
فالمواطن هو أهم عنصر في الدولة، وأساس التنمية والاستقرار، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُضحى به من أجل حفنة من الشركات تبحث عن الربح السريع.
الذهب قد يذهب ويعود، أما الإنسان إذا فقدناه فلن يعود أبداً.
لقد بدأت آثار هذه السموم تظهر بوضوح،الأمراض السرطانية تتزايد، النساء يواجهن خطر الإجهاض والتشوهات الخلقية للأجنة، حالات الفشل الكلوي والكبدي تنتشر، والمواشي تنفق بأعداد كبيرة بعد شرب مياه ملوثة أو رعي قرب أحواض التعدين.
الأرض نفسها تفقد خصوبتها، والنخيل الذي اشتهرت به الشمالية صار عرضة للتسمم، والخضروات والحبوب لم تعد آمنة كما كانت. الأخطر أن نهر النيل مهدد بالتلوث، ما يجعل الكارثة ليست محلية فحسب بل تهديداً لكل السودان.
السؤال الذي يفرض نفسه: أين الحكومة المركزية؟ أين رئيس الوزراء؟ أين حكومة الولاية الشمالية؟ وأين وزارات الصحة والبيئة والمعادن من هذه الجريمة الماثلة؟ إن صمت هذه الجهات يرقى إلى مستوى التواطؤ أو الإهمال الجسيم، ويضعها في خانة المسؤولية المباشرة عن الكارثة.
إن المطلوب ليس بيانات إنشائية أو لجان شكلية، بل قرارات عاجلة بوقف مصانع السيانيد فوراً، وإغلاق مواقع التعدين العشوائي، وإعلان الشمالية منطقة طوارئ بيئية حتى تتم معالجة التلوث وإصحاح البيئة. كما يجب على الحكومة أن توفر بدائل اقتصادية للمواطنين، تقوم على الزراعة والتنمية المستدامة، لا على تسميم الأرض والإنسان.
ما يحدث في الشمالية اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان بحق الوطن والمواطن.
وأي تأخير في التدخل سيكتب فصلاً جديداً من التهجير والموت، وعلى الدولة أن تدرك أن حماية أرواح المواطنين ليست خياراً سياسياً يمكن التلاعب به، بل واجب دستوري وأخلاقي.
فالمواطن أهم من الذهب، وأهم من الشركات، وأهم من كل المصالح الآنية. ومن دون المواطن، لا وجود للوطن.
أنقذوا الشمالية قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات