التصوف في السودان ليس طقساً ولا شعيرة معزولة، بل هو مدرسة أخلاقية واجتماعية قامت على تزكية النفس، وخدمة الخلق، والدعوة بالتي هي أحسن. ومنذ القرن السادس عشر دخلت إلى البلاد طرق صوفية كثيرة، فكانت الختمية والقادرية والتيجانية والسمانية، ثم البرهانية، بيوتاً للعلم والتكية والخلاوي. لم تكن يوماً منابر للفرقة، بل كانت ساحات للجمع.
والميزة الجوهرية في البيت الصوفي أنه يذيب الانتماءات الضيقة. ففي الزاوية الواحدة يجتمع المريد الدنقلاوي مع الغرباوي، والشايقي مع النوباوي، لا يسأل أحدٌ الآخر عن قبيلته ولا عن جهته، لأن الرابطة هنا رابطة “صفا” وأخوة في الله سابقة على كل رابطة دم أو تراب. هذه التجربة السودانية في التأليف بين القلوب هي بالضبط ما نحتاجه اليوم بعد أن مزقت الحرب النسيج الاجتماعي.
والأبلغ من ذلك أن بعض هذه الطرق تجاوزت حدود السودان وصارت نموذجاً عالمياً للتسامح. فالطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية مثال حي. انطلقت من هنا ووصلت إلى عشرات الدول، فجمعت في مجالسها الأمريكي مع الإندونيسي، والمصري مع السوداني، تحت راية الذكر ومكارم الأخلاق. إذا كان المتصوفة قدروا على تأليف قلوب شعوب مختلفة اللغة واللون، فالأولى أن ينجحوا في تأليف أبناء الوطن الواحد.
اليوم وبعد الحرب، فتحت التكايا أبوابها للنازحين بلا سؤال عن الهوية، وتصدر شيوخ الطرق المنابر داعين لنبذ خطاب الكراهية، وظلت الخلاوي تخرج أجيالاً حافظة للقرآن متشبعة بقيم العفو.
عليه، فإن أي مشروع وطني للمصالحة المجتمعية لا يمكن أن ينجح بمعزل عن هذه المؤسسة المجتمعية الراسخة. فالدولة القادمة تحتاج إلى شريك يملك ثقة الناس وانتشارهم، والطرق الصوفية بانتشارها وتاريخها قادرة أن تكون “الحاضنة الاجتماعية” كنموذج يضمد جراح الوطن ويعيد بناء ما تهدم.
