في كل حديث عن مستقبل السودان، يُقال إن الشباب هم عماد النهضة وقوة التغيير. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن للشباب أن يقودوا النهضة وهم يواجهون البطالة، وضعف فرص العمل، وصعوبة الحصول على التمويل؟
إننا نمتلك طاقات شبابية واسعة، وخريجين في مختلف التخصصات، وشباباً يمتلكون المهارات والاستعداد للعمل، لكن جزءاً كبيراً من هذه الطاقات لا يجد البيئة المناسبة لتحويل قدراته إلى إنتاج حقيقي.
فهل مشكلتنا في غياب الشباب المؤهل، أم في غياب المشاريع التي تستوعب قدراتهم؟
البطالة ليست مشكلة الشباب وحدهم
عندما يعجز الشاب عن الحصول على عمل، فإن الضرر لا يتوقف عنده، بل يمتد إلى أسرته والمجتمع والاقتصاد الوطني.
فالخريج الذي لا يجد فرصة للعمل يمثل طاقة إنتاجية معطلة، والحرفي الذي لا يستطيع توفير أدوات عمله يخسر فرصة للكسب، والشاب الذي يرغب في تأسيس مشروع صغير قد يتراجع بسبب غياب التمويل أو صعوبة الوصول إلى السوق.
لذلك، فإن معالجة البطالة لا ينبغي أن تقتصر على مطالبة الشباب بالبحث عن وظائف، بل يجب أن تشمل توفير الظروف التي تتيح لهم العمل والإنتاج.
هل التوظيف الحكومي هو الحل؟
ظلت الوظيفة الحكومية تمثل هدفاً رئيسياً لكثير من الشباب، لكن الاعتماد عليها وحدها لا يمكن أن يستوعب جميع الخريجين والباحثين عن العمل.
إن الاقتصاد الذي يعتمد على التوظيف دون التوسع في الإنتاج سيظل عاجزاً عن خلق فرص كافية.
نحتاج إلى تغيير النظرة إلى العمل، بحيث لا تكون الوظيفة هي الطريق الوحيد للنجاح، بل يصبح تأسيس المشاريع الصغيرة، والعمل المهني، والإنتاج الزراعي والصناعي، خيارات حقيقية تحظى بالتدريب والتمويل والتقدير المجتمعي.
من أين نبدأ؟
أولاً: ربط التعليم بسوق العمل
ينبغي تطوير التدريب المهني والتقني بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد، مع تعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية وأصحاب الأعمال، حتى يمتلك الشباب مهارات يحتاج إليها السوق فعلاً.
ثانياً: تمويل المشاريع الصغيرة
ليس كل شاب بحاجة إلى وظيفة؛ فبعض الشباب يحتاجون إلى أدوات إنتاج، أو رأس مال محدود، أو فرصة للوصول إلى السوق.
ويمكن إنشاء برامج تمويل مدروسة للمشروعات القابلة للاستمرار، مع تقديم الإرشاد الإداري والفني، بدلاً من الاكتفاء بمنح التمويل دون متابعة.
ثالثاً: تحويل الموارد المحلية إلى فرص عمل
يمتلك السودان فرصاً في الزراعة والثروة الحيوانية والتصنيع الغذائي والطاقة والخدمات وإعادة التدوير.
ويمكن للشباب الدخول في هذه المجالات عبر مشروعات صغيرة ومتوسطة، ترتبط باحتياجات المجتمعات والأسواق المحلية، وتوفر دخلاً لأصحابها وفرص عمل لغيرهم.
رابعاً: تشجيع الشراكات الإنتاجية
يمكن جمع الخريجين وأصحاب الخبرات ورجال الأعمال في مشروعات مشتركة، بحيث يقدم كل طرف ما يستطيع من معرفة أو تمويل أو إدارة أو عمل.
فبدلاً من انتظار أن يمتلك كل شاب رأس المال والخبرة وحده، يمكن بناء مشروعات جماعية تتوزع فيها المسؤوليات والمخاطر والعوائد وفق اتفاقات واضحة.
ما دور الدولة والقطاع الخاص؟
تقع على الدولة مسؤولية تهيئة البيئة المناسبة للعمل، وتسهيل إجراءات تأسيس المشروعات، وتوفير البنية التحتية، وتحسين فرص الوصول إلى التمويل والأسواق.
أما القطاع الخاص، فيمكنه المساهمة في التدريب والتشغيل، وتوفير فرص التلمذة المهنية، والاستثمار في المشروعات التي تستوعب الشباب.
وتستطيع المنظمات والمبادرات المجتمعية دعم التدريب وبناء القدرات وربط الشباب بالفرص المتاحة.
لكن النجاح يتطلب برامج واقعية، ومعايير واضحة لاختيار المستفيدين، ومتابعة للنتائج، حتى لا تتحول مشروعات تمكين الشباب إلى دورات تدريبية تنتهي بشهادات، دون أن تنتهي إلى عمل أو إنتاج.
رسالة مهمة
الشباب ليسوا عبئاً اقتصادياً ينبغي البحث عن كيفية استيعابه، بل يمثلون طاقة يمكن أن تسهم في زيادة الإنتاج وتطوير الخدمات وبناء المستقبل.
لكن هذه الطاقة تحتاج إلى فرص حقيقية، وإدارة رشيدة، وثقة في قدرة الشباب على التعلم والعمل والابتكار.
ولا يجوز أن نحمّل الشباب وحدهم مسؤولية البطالة، في الوقت الذي نطالبهم فيه بالإنتاج دون أن نوفر لهم الأدوات والفرص اللازمة.
خاتمة
إن مستقبل السودان يرتبط بقدرتنا على تحويل طاقات الشباب من الانتظار إلى العمل، ومن البطالة إلى الإنتاج، ومن الاعتماد على الفرص المتاحة إلى المشاركة في صناعة فرص جديدة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: كم خريجاً تخرج في جامعاتنا هذا العام؟ بل أيضاً: كم فرصة عمل أنتجها اقتصادنا؟ وكم مشروعاً جديداً ساعدنا على تأسيسه؟ وكم شاباً أصبح قادراً على إعالة نفسه وأسرته بكرامة؟
فالشباب لا يحتاجون إلى الشعارات التي تمجّد قدراتهم بقدر ما يحتاجون إلى مشاريع تفتح أمامهم أبواب العمل والإنتاج.
وهكذا تُبنى المجتمعات…
وهكذا تُصنع النهضة…
بمشاريع لا شعارات.
