✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
لم يكن عنترة بن شداد ليتخيل أن السهم الذي عرفه في ميادين القتال سيعود بعد قرون بأجنحة من حديد، وعيون إلكترونية، وعقول تديره من وراء البحار!
ولو قدر لعنترة أن يشهد حروب هذا الزمان، لأدرك أن السيف الذي أرعب الفرسان لم يعد يرعب الطائرات، وأن صيحته «هل من مبارز؟» قد تضيع في السماء دون جواب، فخصمه هذه المرة٨ لا يسمع صهيل الخيل، ولا يعرف عبلة، وربما يدير المعركة وهو يحتسي قهوته في غرفة مكيفة!
ويا لسخرية التاريخ! لقد أمضى الإنسان قرونا يتعلم كيف يطير، فلما امتلك الأجنحة، استخدم بعضها ليحمل الموت إلى الذين ما زالوا يمشون على الأرض!
ومن نشاب شيبوب، الذي اشتهر في حكايات عنترة ببراعة الرماية، إلى المسيرات الحديثة، لم تتغير أدوات الحرب وحدها، بل تبدلت فلسفة القوة والسيادة. فقد كانت الأمم تحصن مدنها بالأسوار، وتضع الحراس عند أبوابها، أما اليوم فقد أصبحت أخطر الأبواب فوق الرؤوس، وصار الوطن الذي لا يحسن حراسة سمائه كمن يغلق نوافذ بيته ويترك سقفه مفتوحا للغرباء!
وهنا سؤال ينبغي أن يشغل عقل الدولة قبل مدافعها: كيف نبني وطنا آمنا إذا لم نمتلك ما يحمي سماءه؟
ولعل عنترة اختصر فلسفة القوة حين قال:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
فالفروسية ليست شجاعة الاقتحام وحدها، وإنما امتلاك القوة وأخلاق استخدامها، والقدرة على رد العدوان دون التحول إلى معتد.
ولننظر إلى السودان.
لقد أثبتت قواتنا المسلحة شجاعة وصمودا، لكن الحرب علمتنا أن البطولة تحتاج إلى علم يحرسها، وأن السيادة لا تكتمل بحماية الأرض وترك السماء مكشوفة.
فالدفاع الجوي الحديث ليس مدفعا يطارد طائرة، وإنما منظومة استراتيجية للرصد والإنذار والاعتراض، تسندها قوة ردع قادرة على إحباط العدوان، مع امتلاك وسائل مشروعة لتعطيل مصادره العسكرية عند الضرورة، وفق القانون.
وهنا تتجلى فلسفة الردع: ليس المطلوب أن نخوض كل معركة، بل أن نمتلك من القوة ما يجعل المعتدي يتردد ألف مرة قبل إشعالها.
وما جدوى بناء الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه، إن تركناها عرضة لمسيرة قد تدمر في دقائق ما شيدناه خلال سنوات؟
إن حماية هذه المنشآت ليست ترفا عسكريا، بل حماية للاقتصاد ومعاش الناس، واستثمار في مستقبل الأجيال.
والأطرف أننا نتحدث عن أجهزة تكشف الأجسام الصغيرة في السماء، بينما قد نعجز عن كشف فساد كبير على الأرض! ولذلك نحتاج إلى كفاءة الإنفاق ورقابة المراجع العام وهيئة النزاهة والشفافية؛ فالفساد ثغرة لا يسدها صاروخ، ولا يكشفها رادار!
إن السودان يحتاج إلى دفاع جوي يليق بمساحته وموقعه، وصناعة وطنية تسند جيشه، وجامعات تنتج المعرفة، وعقول تحول التكنولوجيا إلى قوة تحمي الوطن وتبني مستقبله.
فالسيادة ليست علما يرفرف فوق المباني، بل قدرة تحمي المباني ومن يعيشون تحتها.
وأخيرا، لو عاد عنترة، لقلنا له: احتفظ بسيفك للذكرى، وبحصانك للرياضة، وبأشعارك لعبلة، فقد أصبح للوطن سقف واسع اسمه السماء، وهذا السقف لا تحرسه القصائد!
فمن نشاب شيبوب إلى مسيرات العصر، بقيت الحكمة واحدة: بناء الأوطان يحتاج إلى رجال، وحمايتها تحتاج إلى علم، وبقاؤها يحتاج إلى قوة تردع وحكمة تمنع الخراب.
وما أغلى أن نبني الوطن مرتين، لأننا لم نحسن حمايته مرة واحدة!
#جيش_واحد… #شعب_واحد… #وطن_واحد.
