الإثنين, أكتوبر 26, 2026
الرئيسيةمقالاتقوة الحريديم السياسية وتأثيرها المباشر على الانتخابات الإسرائيلية ...

قوة الحريديم السياسية وتأثيرها المباشر على الانتخابات الإسرائيلية تقرير: محمد علي عبدالله عبد الدائم

تمثل القوة السياسية للمجتمع اليهودي الأرثوذكسي المتشدد (الحريديم) واحدة من أكثر الظواهر تعقيدًا وتأثيرًا في الخريطة الحزبية داخل إسرائيل.

فبالرغم من كونهم يشكلون نسبة مئوية لا تتجاوز 13.5% إلى 14% من إجمالي السكان، فإن انضباطهم الانتخابي العالي وتحالفاتهم التكتيكية حولت أحزابهم إلى “صانعة الملوك” (Kingmakers) التي لا يمكن لأي حكومة يمينية الوصول إلى سدة الحكم أو الاستمرار في الحكم بدونها.

أولًا: الخريطة الحزبية للحريديم

ينقسم التمثيل السياسي للحريديم داخل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) إلى تيارين رئيسيين:

  • حزب “يهدوت هتوراة” (Yahadut HaTorah): يمثل الحريديم الأشكناز (الغربيين)، ويتكون من ائتلاف حركتين (“أغودات إسرائيل” و”ديجل هتوراة”)، وترتبط قرارات السياسيين فيه بتوجيهات مباشرة ومطلقة من “مجلس حكماء التوراة”.
  • حزب “شاس” (Shas): يمثل الحريديم الشرقيين (السفارديم). يدمج بين التدين المحافظ والمطالب الاجتماعية والطبقية للشرقيين، ويحظى بقاعدة شعبية تمتد إلى بعض الفئات غير المتشددة.

ثانيًا: أدوات النفوذ وقوة التأثير الانتخابي

تستمد الأحزاب الحريدية ثقلها السياسي والانتخابي من عوامل بنيوية ومجتمعية فريدة:

  • التصويت الكتلي الانضباطي: تتميز القواعد الانتخابية للحريديم بانضباط طاعي مطلق للقيادات الحاخامية، حيث ترتفع نسبة التصويت بين صفوفهم مقارنة ببقية القطاعات، مما يضمن لهم كتلة برلمانية ثابتة ومستقرة تتراوح عادة بين 15 إلى 18 مقعدًا.
  • النمو الديمغرافي السريع: نظرًا لمعدلات الإنجاب العالية، يعد مجتمع الحريديم الفئة الأكثر نموًا في إسرائيل، مما ينعكس طرديًا على زيادة وزنه الانتخابي في كل دورة انتخابية جديدة.
  • الابتزاز الائتلافي والتوازن البرلماني: في ظل الاستقطاب بين معسكري اليمين والوسط واليسار، تُستغل كتلتهم كبيضة القبان، حيث يستحيل تشكيل ائتلاف حكومي من (61) مقعدًا دون تلبية شروطهم المادية والتشريعية.

ثالثًا: أبرز ملفات النفوذ والأزمات السياسية

تتركز الأجندة السياسية للحريديم في مجموعة من النقاط الجوهرية التي تعد شرطًا أساسيًا لدخولهم أي حكومة:

  1. إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية (قانون التجنيد): يشكل هذا الملف أزمة الأزمات في السياسة الإسرائيلية، حيث يصر الحريديم على الإعفاء الشامل بداعي تفرغهم لـ”دراسة التوراة”، بينما تتزايد الضغوط من باقي قطاعات المجتمع والمؤسسة العسكرية لإلغاء هذا التمييز، لا سيما خلال الفترات التي تشتد فيها الحاجة الأمنية.
  2. الميزانيات والتمويل الحكومي: يشترط الحريديم دائمًا رفع التمويل الحكومي لمدارسهم ومعاهدهم الدينية (المستقلة عن الرقابة الحكومية العلمانية) والخدمات الاجتماعية، مقابل منح أصواتهم لائتلاف.
  3. الوضع القائم (Status Quo) وقوانين الشريعة: الحفاظ على عدم تشغيل وسائل النقل العام والمحلات التجارية يوم السبت (السبت اليهودي)، وإبقاء قوانين الأحوال الشخصية والزواج بيد المؤسسة الحاخامية الرسمية.

رابعًا: التحالف التاريخي مع اليمين ورئاسة الحكومة

ترتبط الأحزاب الحريدية بحلف وثيق مع “معسكر اليمين”، وبشكل خاص مع حزب “الليكود” بقيادة بنيامين نتنياهو.

وتعود جذور هذا التحالف إلى عام 1977م حينما ساهموا في إسقاط هيمنة حزب العمل وصعود مناحم بيغن.

  • يضمن اليمين للحريديم حماية مصالحهم الدينية والمالية وإعفاء أبنائهم من الجيش، مقابل تقديم الحريديم شيكًا على بياض لليمين في القضايا الأمنية والاستيطانية والسياسة الخارجية.

خامسًا: التحديات والانعكاسات على المستقبل السياسي

  • تفاقم التناقضات المجتمعية: أدى استثناء الحريديم من الخدمة ومساهماتهم الضعيفة في سوق العمل إلى تعميق الغضب بين التيارات العلمانية والمحافظة، مما جعل القضية ورقة ضغط رئيسية لقوى المعارضة.
  • تصدع التحالفات: تشهد المفاوضات الائتلافية تعقيدًا متزايدًا في ظل تمسك المعارضة بفرض التجنيد الإلزامي، ما يهدد باستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي وصعوبة الحفاظ على ائتلاف حكومي مستقر لفترات طويلة.

خلاصة المشهد

تبقى قوة الحريديم السياسية ركيزة أساسية في تشكيل هوية إسرائيل وسياساتها الداخلية.

وطالما استمر النظام الانتخابي القائم على النسبية المغلقة، فإن هذه الكتلة الدينية ستظل محركًا رئيسيًا في ترجيح كفة من يحكم تل أبيب، بالرغم من كل الصدمات والأزمات المجتمعية التي يسببها نفوذها.

عميد شرطة (حقوقي) م.

بقلم / محمد علي عبدالله عبد الدائم

#الانتخابات_الاسرائلية. #قوة_الحريديم_اللسياسية

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات