الإثنين, أكتوبر 26, 2026
الرئيسيةمقالات"الذكرى الأولى لسقوط مدينة الفاشر " ...

“الذكرى الأولى لسقوط مدينة الفاشر ” الفاشر .. ستالينغراد السودان ..حين يصبح الصمود جريمة في عيون العالم بقلم : السفير د.هشام نورين محمد نور ،سفير السلام والعطاء الانساني

السفير د.هشام نورين محمد نور
، الدبلوماسي والوزير السوداني الأسبق ونائب الوالي الأسبق لحكومة غرب دارفور
الزعيم الأهلي بسلطنة دار مساليت – رئيس تحالف سودان العدالة الأصل

الفاشر .. ستالينغراد السودان.. حين يصبح الصمود جريمة في عيون العالم

في مثل هذا اليوم، الأحد الخامس والعشرين من أكتوبر 2025م، سقطت مدينة الفاشر، حاضرة شمال دارفور و قلب السودان النابض، في أيدي ميليشيا جنجويد الدعم السريع المتمردة الإرهابية الإجرامية و مرتزقتها المستجلبين عبر القارات ومن دول الجوار .

لم تسقط الفاشر لأنها هانت، بل سقطت بعد ملحمة أسطورية ستظل علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث. فلمدة تزيد عن خمسمائة يوم، فرضت الميليشيا الاجرامية الارهابية حصاراً خانقاً على المدينة، حصاراً شبيه بحصار مدينة ستالينغراد السوفيتية الذي استمر لأكثر من ستة أشهر إبان الحرب العالمية الثانية، والذي غيّر مجرى الحرب وأسس لمنظومة الأمم المتحدة. غير أن الفاشر صمدت أكثر من عام ونصف، فاستحقت بجدارة لقب “ستالينغراد السودان”.

و خلال تلك الفترة، أمطرت الميليشيا المدينة بما يفوق خمسمائة ألف دانة من مختلف العيارات و قذائف المدفعية الثقيلة، والمسيرات الاستراتيجية والانتحارية، مستخدمة أحدث المركبات رباعية الدفع والمدرعات المحملة بالأسلحة الفتاكة.

ورغم هول آلة الدمار، ضربت قواتنا المسلحة والقوات النظامية الأخرى و القوات المشتركة و المساندة لها وفقاً للقانون، من الشرطة وجهاز المخابرات والمقاومة الشعبية والمستنفرين ومواطني الفاشر وعموم دارفور الشرفاء، أروع صور التضحية والبسالة. خاضوا 267 معركة ضارية – وأعني بكلمة معركة ما لا تقل مدته عن ست ساعات متواصلة، ومنها ما تجاوز اثنتي عشرة ساعة – هزموا فيها الميليشيا ومرتزقتها شر هزيمة، وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

إلا أن قدر الله كان نافذاً، فسقطت المدينة صبيحة ذلك اليوم المشؤوم في تمام الخامسة فجراً، على وقع دوي التدوين، في مشهد اختلط فيه الحابل بالنابل، ليصدق في أهلها قوله تعالى : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37] ، كأنها نزلت فيهم .

كان الموقف جلّاً؛ منهم من لقي ربه شهيداً، ومنهم من جُرح، ومنهم من أُسر، ومنهم من نجا. وتشير التقديرات الأولية إلى ارتقاء نحو عشرين ألف شهيد في الأيام الثلاثة الأولى وحدها ، مما يرتقي بهذه الفظائع إلى مصاف جريمة الإبادة الجماعية المكتملة الأركان.

يا معشر العالم، هذه هي مجزرة الفاشر .

تحل الذكرى السنوية الأولى لمجزرة الفاشر، وهي إحدى أبشع الفظائع الإنسانية التي شهدها السودان المعاصر، وقعت أمام مرأى ومسمع العالم، بل وتواطأ معها بعضه.

لقد أعلنت الأمم المتحدة مدينة الفاشر “مسرح جريمة” مفتوح. حيث شهدت المدينة تدميراً ممنهجاً طال المستشفيات والمساجد والمدارس ومقرات الأمم المتحدة، وعمليات قتل واغتصاب واسعة النطاق. ووفقاً للتقارير الرسمية، تم تدمير ما يربو على غالبية البنية التحتية للمدينة بفعل القصف المدفعي المكثف.

وشنّت الميليشيا هجمات وحشية على مخيمي أبو شوك و زمزم للنازحين. وتفيد التقارير الحقوقية الموثقة، بمقتل أكثر من ألفي مدني في الأيام الأولى للاجتياح، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، مع ترجيحات أممية بأن العدد الحقيقي يصل إلى عشرات الآلاف في إطار عمليات قتل جماعي ممنهج.

و تظل جريمة مستشفى الولادة السعودي وصمة عار في جبين الإنسانية، حيث قُتل العشرات من الأطباء والمرضى والمرافقين داخل المستشفى، في جرائم موثقة بمقاطع مصورة نشرها الجناة أنفسهم تباهياً.

وفي يوليو 2026م، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً هاماً وثّقت فيه ارتكاب قوات الدعم السريع المتمردة جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً، استهدف على وجه الخصوص جماعات إثنية بعينها، من بينها الزغاوة و الفور.

كما أكد مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، الذي يرصد الفظائع عبر الأقمار الصناعية، أن الميليشيا “دمرت وأخفت أدلة على عمليات القتل الجماعي الواسعة النطاق . وفي تقريرها المعنون “مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر” المقدم لمجلس حقوق الإنسان، خلصت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى أن ما جرى في الفاشر يحمل ثلاثة أركان مادية لجريمة الإبادة الجماعية: قتل أفراد جماعة محمية، وإلحاق أذى جسدي وروحي خطير، وإخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُراد بها تدميرها كلياً أو جزئياً، مع تصريحات علنية دعت صراحة للقضاء على المجتمعات غير العربية.

وقد لخص المفوض السامي لحقوق الإنسان، السيد فولكر تورك، المأساة بقوله : “كانت الفظائع التي تتكشف في الفاشر متوقعة و كان من الممكن منعها، لكنها لم تُمنع. لقد صُوّرت بقع الدماء على أرض الفاشر من الفضاء”، مضيفاً أن السودان واقع تحت وطأة صراع بالوكالة على موارده.

المجرم: أبو لولو.. جزار الفاشر

برز اسم المدعو الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بـ “أبو لولو” و”جزار الفاشر”، و هو اللقب الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي عند فرض عقوبات عليه. وهو قيادي برتبة عميد خلا في الميليشيا، فرضت عليه عقوبات دولية من الولايات المتحدة و المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بعد ظهوره في مقاطع مصورة موثقة وهو ينفذ إعدامات ميدانية ويتباهى بقتل المدنيين العزل، قائلاً في أحدها : “وظيفتنا هي القتل فقط”*. وتُظهر مقاطع تم التحقق منها إطلاقه النار على ما لا يقل عن 15 أسيراً أعزل في 27 أكتوبر 2025م، وجميعهم بملابس مدنية، وهو ما يشكل جريمة حرب موصوفة.

أما خارج المدينة، فقد فرّ أكثر من 80 ألف شخص من أصل 260 ألف مدني، وفقاً للمجلس النرويجي للاجئين، سلكوا طرق فرار امتدت لآلاف الكيلومترات بلا ماء ولا غذاء نحو الدبة شمالاً وطويلة غرباً.

صمت دولي وحسابات جيوسياسية :

ورغم تقارير خبراء الأمم المتحدة الموثقة التي تؤكد تدفق إمدادات عسكرية ومسيرات للميليشيا عبر أبوظبي وتشاد، وتورطها في تأجيج النزاع وإطالة أمد الحرب، فإن الحسابات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية والاستثمارات السيادية الضخمة ظلت العائق أمام تحويل تلك التقارير إلى إدانة دولية رسمية وملزمة. وقد وقعت أكثر من 20 دولة غربية بياناً مشتركاً يدين الانتهاكات، لكنه لم يرقَ لمستوى الفعل الرادع .

وعليه، فإنني من موقعي الوطني والأهلي والدبلوماسي، أطالب العالم أجمع والأسرة الدولية بما يلي :
أولاً: مجلس الأمن الدولي : إصدار قرار ملزم تحت الفصل السابع يدين ميليشيا آل دقلو كجماعة إرهابية، ويفرض حظراً شاملاً على تسليحها، ويحاسب الدول الداعمة لها، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، وإحالة ملف مجزرة الفاشر إلى المحكمة الجنائية الدولية فوراً.

ثانياً : مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة : تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ذات ولاية واسعة لتوثيق جرائم الإبادة الجماعية و التطهير العرقي في الفاشر والجنينة وغيرها ، و ضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

ثالثاً : مجلس السلم والأمن الأفريقي : تعليق أي تعامل مع الميليشيا ورعاتها واعتبارهم تهديداً للسلم والأمن في الإقليم، ودعم جهود الدولة السودانية في بسط سيادتها.

رابعاً : جامعة الدول العربية :
اتخاذ موقف عربي موحد وحازم إزاء العدوان على دولة عضو ومؤسس، وتفعيل معاهدة الدفاع المشترك، والمساءلة الصريحة للدول الأعضاء المتورطة في دعم العدوان .

خامساً : نناشد المجتمع الدولي للتدخل العاجل لمعالجة التحديات الإنسانية الكارثية التي تواجه مجتمعاتنا في إقليمي كردفان ودارفور والنيل الأزرق، ووقف شبح المجاعة والانتهاكات الممنهجة.

إن دماء عشرين ألف شهيد في الفاشر أمانة في عنق التاريخ والضمير الإنساني. ولن نسمح بأن تمر هذه الجريمة دون قصاص عادل.

والله المستعان

#دكري_مجزرة_الفاشر

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات