يواجه الاقتصاد السوداني واحدة من أعقد مراحله التاريخية، نتيجة تداخل تداعيات الحرب مع اختلالات هيكلية تراكمت عبر عقود، أبرزها ضعف القاعدة الإنتاجية، وتراجع الصادرات، واختلال المالية العامة، وتدهور العملة الوطنية، ومحدودية كفاءة المؤسسات الاقتصادية. وقد فاقمت الحرب هذه الأوضاع بتدمير البنية التحتية، وتعطيل الإنتاج، واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، وتراجع الإيرادات، واتساع الفقر والنزوح.
ولا يقتصر تشخيص الأزمة على آثار الحرب، التي كشفت هشاشة اقتصاد يعتمد على موارد محدودة وضعف التصنيع والقيمة المضافة، بل يشمل أيضاً الحاجة إلى بناء اقتصاد منتج تتكامل فيه السياسات النقدية والمالية مع الإصلاح المؤسسي، وتُوجَّه موارده نحو القطاعات القادرة على تحقيق النمو وتوليد فرص العمل. وقد أسهم اقتصاديون سودانيون، من بينهم الدكتور محمد إبراهيم كبج، والدكتور إبراهيم البدوي، والدكتور صديق أمبدة، والدكتور التجاني الطيب، والدكتور محمد الناير، والدكتور عبد العظيم المهل، في إثراء النقاش حول الإنتاج والإصلاح الهيكلي والسياسات النقدية والمالية والعدالة في توزيع الموارد والاستثمار وإدارة المال العام.
وفي هذا السياق، تواجه حكومة الأمل، برئاسة الدكتور كامل إدريس، اختباراً اقتصادياً استثنائياً يتمثل في إدارة اقتصاد أنهكته الحرب، والحفاظ على وظائف الدولة الأساسية، وتهيئة مقومات التعافي قبل انتهاء النزاع. ولا يمكن تقييم أدائها من خلال التصريحات والبرامج وحدها، بل عبر مؤشرات قابلة للقياس تشمل الإنتاج، والتضخم، وسعر الصرف، والإيرادات العامة، والتشغيل، والقوة الشرائية للمواطن.
وتبدأ الأولويات بإعادة تنشيط الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتعدين، عبر توفير التمويل والمدخلات والطاقة وتأمين النقل والتسويق، بما يعزز الصادرات ويوفر النقد الأجنبي ويخفف الضغوط التضخمية. كما يتطلب استقرار الجنيه معالجة اختلال العرض والطلب على النقد الأجنبي، وضبط التمويل التضخمي، وتعزيز حصائل الصادرات، وإصلاح منظومة الذهب، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، ضمن تنسيق فعّال بين السياستين النقدية والمالية.
وفي المالية العامة، ينبغي توسيع القاعدة الإيرادية بتنشيط الاقتصاد لا بإثقال الأنشطة المنهكة بالضرائب والرسوم، مع إحكام الرقابة على الموارد، ومحاربة التجنيب والفساد، وترشيد الإنفاق، وتوجيهه إلى الخدمات الأساسية والقطاعات الإنتاجية. ويظل تحسين معيشة المواطنين معياراً أساسياً لأي إصلاح؛ إذ لا قيمة لتحسن المؤشرات الكلية ما لم ينعكس على أسعار السلع الضرورية، وانتظام الأجور، وتوافر الدواء والخدمات، وتحسن فرص العمل.
أما إعادة الإعمار، فتحتاج إلى الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى تخطيط استثماري متكامل يحدد أولويات الولايات وفق حجم الضرر وقدراتها الإنتاجية، ويعزز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية، في إطار من الشفافية والحوكمة والمساءلة.
ومن ثم، ندعو حكومة الأمل إلى تبني برنامج اقتصادي إسعافي لمدة مائة يوم، بمشاركة وزارة المالية وبنك السودان والوزارات الإنتاجية والاقتصاديين والقطاع الخاص، يحدد أولويات الإنتاج والاستقرار النقدي وإصلاح المالية العامة وحماية معيشة المواطنين، مع إعلان مؤشرات تنفيذ شهرية تخضع للتقييم والمساءلة.
إن السودان لا يحتاج إلى إدارة الندرة فحسب، بل إلى إعادة بناء قدرته على الإنتاج وتوليد الثروة. فالمعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح ليس كثرة القرارات، وإنما أثرها في استقرار الأسواق، وتحسين معيشة المواطنين، واستعادة الثقة في المؤسسات. والحرب، مهما طال أمدها، لا ينبغي أن توقف عجلة الإصلاح؛ لأن بناء اقتصاد السلام يبدأ من حسن إدارة اقتصاد الحرب، ولأن تكلفة تأجيل الإصلاح قد تتجاوز تكلفة الشروع فيه اليوم.
#الاقتصاد_السوداني_تحت_ضغط_الحرب…
#حكومة_الأمل_امام_اختبار_الإنقاذ_والتعافي
