الثلاثاء, أكتوبر 20, 2026
الرئيسيةمقالاتأكثر من 20 أزمة… وحكومة «أن لا أمل»! أين الحلول؟ ...

أكثر من 20 أزمة… وحكومة «أن لا أمل»! أين الحلول؟ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

من المستفيد من زعزعة الخرطوم؟

كانت الحرب «معركة كرامة»، ثم تحوّلت إلى تجارة. نعم، تجارة! وهنا السؤال: من المستفيد من إطالة أمد الحرب؟ ومن المستفيد من كل هذا الخراب؟

دائمًا نبحث عن الأيادي في الخارج، ونرفع أصابع الاتهام نحو من ينهبون ثروات السودان. ولا أنكر أن للأطماع الخارجية حساباتها، لكن هناك حقيقة أكثر بشاعة: الخارج لا يعمل وحده؛ فهناك في الداخلٌ من يفتح الأبواب، وفسادٌ يحمي المصالح، وصمتٌ يمنح المتجاوزين فرصة الإفلات من المحاسبة.

حلّلنا الحرام، وجعلنا للفساد هوية، وحكوماتٌ تتعاقب، وكل حكومة أفشل من سابقتها. وأكثرها فشلًا حكومة «أن لا أمل»؛ حكومة الإعلانات والدعايات، ولقطات الصور والهتافات، وحكومة المؤتمرات، وليست حكومة وطنٍ ينزف، لا دمًا وحده، بل خزيًا وعارًا على ترابٍ دنّسناه نحن بأنفسنا.

تجّار الحرب من أبناء جلد هذا الوطن.

نعم، لا نحتاج دائمًا إلى البحث خلف الحدود كي نفهم كيف يُنهب الوطن، ولا إلى تعليق كل خطايانا على شماعة الخارج. فحين تفسد الإدارة، ويصمت المسؤول، وتغيب المحاسبة، يصبح الوطن مكشوفًا لكل طامع. وحين تتحول المناصب إلى مصالح، والقرارات إلى بيانات، والوطنية إلى شعارات، فمن الذي فتح الباب؟ ومن الذي تركه مفتوحًا؟

هذه هي الحقيقة التي لا نريد مواجهتها: العدو الخارجي لا يعفينا من مسؤولية ما نصنعه بأيدينا. لا يجوز أن نتحدث عن نهب ثروات السودان ثم نصمت عن مصير موارده، ولا أن نصرخ من التدخلات الخارجية بينما نمنح الفساد الداخلي حق الإقامة الدائمة.

✦ أكثر من عشرين أزمة… وحكومة «أن لا أمل» لا ينقصها إعلان جديد!

المواطن يبحث عن الكهرباء والوقود والخبز والأمان، والحكومة تبحث عن مؤتمرٍ جديد تتحدث فيه عن الحلول. المواطن يحسب ما تبقى من ماله، والمسؤول يحسب ما سيقوله أمام الكاميرات. المواطن يريد نتيجة، والمسؤول يعلن خطة؛ ثم تأتي خطة أخرى لتشرح لماذا لم تنجح الخطة الأولى.

أيُّ دولة هذه التي يصبح فيها تدبير الحياة اليومية معركةً يخوضها المواطن وحده؟ وأيُّ حكومة تلك التي يُقاس حضورها بكثرة تصريحاتها، بينما يظل المواطن يسأل عن أثرها في حياته؟

لا نريد أن نسمع أن الأزمات معقدة؛ فالمواطن يعرف ذلك، لأنه يعيشها ويدفع ثمنها. نريد أن نعرف من المسؤول، وما الذي فُعل، وأين النتائج، ومتى تنتهي هذه الدائرة التي يدور فيها المواطن بين أزمةٍ وقرارٍ وتصريحٍ ووعد.

فالوطن ليس مسرحًا، والمواطن ليس جمهورًا!

لكن الأزمة لا تقف عند حدود الخبز والوقود والكهرباء. فحين تتراجع هيبة المؤسسات، وتغيب المحاسبة، وتصبح المسؤولية مجرد كلماتٍ تُقال أمام الكاميرات، تتجاوز آثار الفشل حياة الناس اليومية، وتمتد إلى القيم والأخلاق وحق الإنسان في أن يعيش آمنًا في وطنه.

✦ حين تتراجع القيم… مَن يحمي المجتمع؟

وهنا يبرز وجهٌ آخر للأزمة: شذوذٌ أخلاقيٌّ يُدار على مرأى ومسمع، وبراءةٌ أصبحت كرت عبور، وأخلاقٌ فسدت أمام الجميع، وقيمٌ لم تعد تهمّ أحدًا بعد الآن.

«فسادٌ أخلاقيٌّ يعصف بالأرض، وأهلها يدفعون الثمن؛ فالسماء لا ترحم، والأرض لا تنسى».

✦ حين لا تعود سماء الوطن آمنة… مَن يحمي الأطفال؟

وهنا… لم تعد سماء الوطن آمنة، ولم تعد البيوت بمنأى عن الموت. فالمسيّرات تحصد الأرواح، ونيران الحرب تمتدّ لتلاحق المواطن أينما كان، والأطفال يسقطون قبل أن يعرفوا من أشعل الحرب، ولماذا عليهم أن يدفعوا ثمنها.

فأيُّ كرامةٍ هذه التي نتغنّى بها، وأيُّ وطنٍ ننتصر له إذا كان أطفاله لا يأمنون على حياتهم، حتى داخل بيوتهم؟

يا للمفارقة! نتحدث عن الانتصار، والوطن يفقد أبناءه. نرفع شعارات الكرامة، والإنسان يبحث عن مكانٍ يأمن فيه على حياته. نملأ المنابر بالكلام، بينما لا يملك طفلٌ حقًّا مضمونًا في أن يكبر!

وهنا لا تكفي بيانات الإدانة، ولا تنتهي المسؤولية عند التعبير عن الأسف. حماية الأطفال والمدنيين واجب، والتحقيق في الاعتداءات واجب، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته واجب لا يسقط بالتقادم. ولا يجوز أن تتحول الانتهاكات، أيًّا كان مرتكبها، إلى أخبار عابرة تُطوى صفحاتها ثم يُترك المتضررون وحدهم.

✦ أين الدولة من مسؤولياتها؟ وأين المحاسبة؟

لكن القضية الأوسع التي ينبغي ألا تغيب عن المشهد هي: أين تقف مؤسسات الدولة من مسؤولياتها؟ من يضمن تطبيق القانون على الجميع دون استثناء؟ ومن يراقب أداء المسؤولين، ويكشف أوجه القصور، ويمنع استغلال السلطة والنفوذ؟ ومن يعيد للمواطن ثقته في أن حقوقه لن تضيع بين التصريحات والوعود؟

لا يجوز إدانة أحد قبل ثبوت ما نُسب إليه، لكن لا يجوز أيضًا تعطيل التحقيق، أو إسكات المتضررين، أو التستر على التجاوزات. فالعدالة لا تُبنى بالاتهامات وحدها، ولا تتحقق بالصمت؛ بل بإجراءات واضحة، وتحقيقات جادة، ومحاسبة عادلة لا تستثني صاحب منصبٍ ولا تحابي صاحب نفوذ.

فالمستفيد من استمرار هذا المشهد هو كل من يحوّل الحرب إلى مصلحة، وكل من يستغل غياب الدولة والمحاسبة لحماية نفوذه أو مكاسبه، وكل مسؤول يملك سلطة الفعل ثم يكتفي بالتصريحات. أما المواطن، فيدفع الثمن من قوته وأمانه وبيته، ومن أعمار أطفاله التي تمضي وسط الخوف.

وهنا تسقط الشعارات أمام الحقيقة: ليس السؤال مَن يتحدث باسم الوطن، بل مَن يحمي أبناءه؟ ومَن يتحمل مسؤولية الدم؟ ومَن يحاسب كل من قصّر أو استغل أو اعتدى؟

الوطن ليس ملكًا لأصحاب القرار، والشعب ليس وقودًا لحربٍ لا يعرف متى تنتهي، ولا يملك وحده قرار إيقافها. والوطنية ليست هتافًا يُرفع أمام الكاميرات؛ الوطنية مسؤولية، وقرار، وعدالة، وحمايةٌ للإنسان قبل كل شيء.

✦ شهداء السودان… حين يصبح الفقد أكبر من الكلام

رحم الله شهداء السودان، من الأطفال والمدنيين، وأبناء القوات المسلحة، وكل المدافعين عن تراب هذا الوطن. رحم الله من رحلوا وتركوا خلفهم بيوتًا يسكنها الوجع، وأمهاتٍ أرهقهنّ الانتظار، وآباءً انكسروا بصمت، وأطفالًا سرق الموت دفء أحضانهم. رحم الله أرواحًا بذلت دماءها، وقلوبًا توقفت معها أفراح البيوت، وأحلامًا دُفنت قبل أن ترى النور. اللهم اغفر لهم وارحمهم، وأسكنهم فسيح جناتك، واربط على قلوب أهلهم وذويهم، واجبر كسرهم، وأنزل على قبورهم نورًا وسلامًا. اللهم ارحم السودان؛ فقد أثقلته الفواجع، وأوجعه الفقد، وطال انتظاره للسلام.

ويبقى السؤال في وجه كل صاحب قرار: كم روحًا أخرى يجب أن نفقد حتى تصبح حياة السوداني أغلى من كل المصالح؟

لمن يكون السودان؟

وسؤالٌ أخير: هل السودان للعائدين إلى حضن ترابه، أم للكادحين من أجل ترابه؟ أم للراقصين فوق ترابه، أم للنازفين دمًا دفاعًا عن ترابه؟

أنا الرسالة حين يضيع البريد…

أنا امرأةٌ من حبر النار، أكتب ما في القلوب، وصوتي شامخٌ مرفوع، كعزّة تاريخ وطني وشموخ أرضه.

سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.

رحم الله شهداء الواجب، وعاجل الشفاء للجرحى، وحفظ الله السودان وأهله.

✒️ عبير نبيل محمد

أكثر_من_20_أزمة #حكومة_ألامل #فساد_بلا_محاسبة #تجار_الحرب #الخرطوم_تنزف #العدل_ميزان

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات