الأحد, أكتوبر 18, 2026
الرئيسيةمقالاتالسودان المخطوف.. متى تتحرر الدولة من أسر النخب العقيمة؟ ...

السودان المخطوف.. متى تتحرر الدولة من أسر النخب العقيمة؟ كتب: حمد يوسف حمد


حين تضيق بك الدوائر وتتأمل جغرافية وجع هذا الوطن، يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع يغلي في صدور ملايين السودانيين المكتوين بنيران الحرب والشتات: كيف لبلدٍ كالسودان، يمتلك من مفاتيح الثروة وأسباب النهوض ما يجعله قبلةً للأمم، أن تتحول أقدامه إلى رمال متحركة، وتغرق سفينته مراراً وتكراراً في مستنقع الأزمات؟
الحقيقة المرة التي لا لبس فيها ولا مداهنة، هي أن أزمتنا لم تهبط علينا من السماء، ولم تصنعها الجغرافيا وحدها، بل صاغتها يد “نخبة سياسية” أدمنت الفشل، وتحولت عبر عقود من الزمن إلى معول هدمٍ مقنن لكل مقومات الاستقرار والبناء.
لقد تعاملت هذه النخب بيمينها ويسارها، بمدنييها وعسكرييها، وبأيديولوجياتها المتعددة مع مقاليد الدولة السودانية باعتبارها “غنيمة مستباحة” وليست “أمانة وطنية” تُحرس. طوال تاريخنا السياسي المعاصر، غابت الاستراتيجية وغابت الرؤية الععميقة لبناء مؤسسات راسخة تحمي التنوع العضوي والفريد لهذا الشعب. وبدلاً من تأسيس عقد اجتماعي عادل يضمن كرامة الإنسان ومواطنته بلا استثناء أو تمييز، انشغل الساسة بلعبة الكراسي الموسيقية، وتناحروا على السلطة المركزية، تاركين “الهامش” والوطن بأسره يواجه مصيره على حافة الهاوية.
إن الخطيئة الأكبر التي ارتكبتها هذه القيادات هي عقم الخيال السياسي. فعندما يفتقر السياسي إلى الرؤية، يتحول التنوع العرقي والثقافي في السودان الذي كان يجب أن يكون درعاً وسنداً إلى مادة للتجييش ووقود للحروب الأهلية والاستقطاب البغيض. وعندما تسقط الأخلاق السياسية، تصبح دماء المواطنين ومعاناتهم مجرد أرقام في بورصة المساومات الحزبية والتسويات الهشة التي لا تقصد وطناً، بل تقصد بقاء الكرسي.
واليوم، بينما يدفع الشعب السوداني الأبيّ الفاتورة الأفدح من أمنه وأرواح شبابه ومقدراته، تقف النخب ذاتها لتعيد تدوير نفس الخطاب، وتستنسخ ذات الأخطاء، وكأن دماء الأبرياء وتشريد ملايين الأسر لا يعدو أن يكون تفصيلاً عابراً في تاريخ طموحاتهم الشخصية والحزبية.
“إن التاريخ لا يرحم من فرّطوا في أوطانهم، ولن يغفر لمن جعلوا من بقائهم فوق أشلاء الشعوب غاية تبرر كل الوسائل.”
آخر الكلام
لقد بلغ السيل الزبا، ووصل العبث بمصير السودان مبلغاً لا يمكن السكوت عليه أو مهادنته بعد اليوم. إن الشعب السوداني الذي علّم العالم معاني الصبر والجسارة، لن يظل رهينةً أبديةً لأفّاكين وساسة صدفة تاجروا بآلامه في أسواق النخاسة السياسية. إن طوق النجاة الوحيد يكمن في ثورة وعي جارفة، تُكنس بها هذه الوجوه المستهلكة، ويُعاد بناء الدولة من أسسها على أنقاض أوهامهم. فلن نترك السودان غنيمةً في أيدي العابثين، وليعلم كل متخاذل أن حساب الشعب قادم، وأن غضبة الجياع والمشردين والشهداء ستجتث جذور الفشل، ليقوم السودان من رماده حراً، وعزيزاً، وموحدًا رغماً عن أنف الطامعين وخراب النخب.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات