الأحد, أكتوبر 18, 2026
الرئيسيةمقالاتهيبة السلطة في سياق التسامح: عندما تتسع النفوس للكل

هيبة السلطة في سياق التسامح: عندما تتسع النفوس للكل

كتب : إسماعيل الحكيم
تاريخياً، لم يُصطلح على تسمية الصحافة والإعلام بالسلطة الرابعة عبثاً، وإنما جاء هذا اللقب تتويجاً لدورها الجوهري كعين رقابية يقظة، وضمير حي ينبض بهموم الشارع وقضاياه. غير أن هذا التداخل الدائم بين نبض السلطة الرابعة وصناع القرار في الجهاز التنفيذي كثيراً ما يفرز توترات واحتكاكات، تتحول أحياناً من رحاب الفكر المهني إلى ردهات المحاكم، كما تجسد في الأزمة القائمة بين وزير الإعلام السوداني، خالد الإعيسر، والصحفية البارزة أم وضاح. إن هذه الخصومة التي تجاوزت أدبيات المهنة تطرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة الحكم، وعلاقة السلطة التنفيذية بحرية التعبير، لا سيما في بيئة سياسية وإعلامية راهنة باتت تضج بالحاجة الملحة للتصالح ورتق الفجوات.
إن المنطلق الأساسي لفهم هذه العلاقة يكمن في حقيقة لا تقبل التأويل: أن الوزير، وكل مسؤول تنفيذي، هو شخصية عامة بامتياز. وحين يرتدي المسؤول ثوب السلطة، فإنه يتخلى طوعاً عن جزء أصيل من حصانته الشخصية بمعناها الضيق، ليغدو تحت المجهر العام عرضة دائمة للنقد والتحليل. فالوظيفة العامة ملك للمجتمع، وما القرارات والإجراءات التي تتخذها الأجهزة التنفيذية إلا مادة لليراع الصحفي. وحين يجنح المسؤول نحو ضيق الصدر تجاه هذا النقد، فإنه يناقض جوهر الشفافية التي تقتضيه إدارة الشأن العام. ومن هنا، فإن من أدنى صفات من يتولى موقعاً تنفيذياً أن يتحلى برحابة صدر واسعة وحلم يبتلع الجفاء، مدركاً بالفطرة والخبرة أن رضاء الناس غاية لا تدرك، وأن إرضاء الكل في إدارة الشأن العام أمر مستحيل.
وحين تواجه السلطة التنفيذية نقداً قاسياً، فإن رد الفعل الرشيد لا يتمثل في جر الصحافة إلى ساحات المحاكم، ولكن في الاحتكام إلى قوة الحجة وسعة الأفق. وما موقف القاضي النبيل الذي دعا الطرفين إلى التنازل والتصافح والابتعاد عن قاعات المحاكم إلا طوق نجاة أخلاقي ينهي خصومة بينة؛ بيد أن إصرار السيد وزير الإعلام على المضي قدماً في مسار التقاضي يضعنا أمام مشهد يتطلب التوقف بحكمة. وهنا يجدر التذكير بأن الوزير يقف أمام منصة القضاء بوصفه مواطناً عادياً، لا يتمتع بأي حصانة استثنائية في مواجهة خصمه، ولربما خسر القضية وربح الطرف الآخر أو العكس.
وفي ظل بيئة سياسية وإعلامية راهنة تتقاطع فيها الأزمات وتتعاظم فيها الحاجة إلى توحيد الصفوف وتضميد الجراح، فإن التسامح يبدو خياراً استراتيجياً لا متعة فائضة. إن النفوس الكبار تنزع إلى التسامح لتزداد عزاً فوق عزها، بينما تضيق النفوس الصغرى بالمعاتبة. ومن مقام الاحترام والتقدير لشخص وزير الإعلام، نسدي هذه النصيحة الخالصة بأن الرجوع إلى فضيلة العفو والتصافح لم يكن ليقلل من شأنه شيئاً، بل كان سيضعه في مصاف القادة الواثقين الذين يدركون أن قوة الدولة تُقاس بسعة أفق رجالها، لا بصرامتهم في الخصومات الشخصية. فالباب ما زال مشرعاً لتغليب صوت الحكمة، عساها أن تكون خطوة تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات