كم من مبتسم والحزن يملأ قلبه ويمضي بين الناس ثابت الخطى فتحسبه مسروراً، بينما يحمل في داخله ما يكفي لإسقاط جبل. وربما كان أكثر الناس انشغالاً بجبر خواطر الآخرين هم أولئك الذين لم يجدوا في اللحظة التي انكسروا فيها يداً تمتد إلى قلوبهم.
هذه الصورة تختصر شيئاً عميقاً من مأساة الوطن في زمن الحرب. فخلف الأرقام التي تتداولها الأخبار وخلف أسماء الشهداء التي تُقرأ في المناسبات توجد حياة كاملة تستمر بعد الغياب. أمٌّ فقدت ابنها وزوجةٌ فقدت رفيق عمرها وطفلٌ استيقظ ذات يوم ليكتشف أن أباه صار صورةً في الذاكرة. الموت ينهي حياة الإنسان لكنه لا ينهي مسؤولياته، إنها تنتقل ثقيلةً وصامتة إلى الذين تركهم وراءه.
ومن هنا تبدأ المسألة التي كثيراً ما نهرب منها حين نكتفي بتقديس الشهادة في الأوراق ماذا يعني أن يكون الشهيد عزيزاً على وطنه؟ هل تكفي الكلمات؟ هل يكفي أن نحمل صورته ونذكر اسمه ونقيم له احتفالاً ثم نترك أسرته تواجه وحدها الغياب؟ إن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله وإنما بما نفعله من أجلهم.
فالشهيد لا يترك وراءه أرملةً فقط، إنما يترك امرأةً عليها أن تعيد بناء حياتها في غيابه. ولا يترك أطفالاً فقط، أنما يترك أبناءً يحتاجون إلى أن يكبروا دون أن يتحول فقد أبيهم إلى فقد آخر للفرصة. يترك أماً قد تنظر إلى الباب سنوات طويلة وكأن القلب لم يتعلم بعد أن الغائب لن يعود.
ينبغي أن تُفهم قضية أسر الشهداء بوصفها مسؤولية دولة ومجتمع، لا إحساناً موسمياً. فمن قدّمت أحد أبنائها فداءً للوطن، يستحق أبناؤها أن يجدوا في وطنهم سنداً يصون كرامتهم ويحفظ مستقبلهم. فالتضامن الذي ينتهي بانتهاء المناسبة لا يرقى إلى معنى الوفاء والمنحة العابرة لا تحقق عدالةً دائمة.
إن أفضل تكريم للشهيد أن نمنح ابنه فرصةً كاملة للحياة. أن يكون التعليم حقاً محفوظاً والرعاية الاجتماعية نظاماً مستقراً والتأهيل والعمل طريقاً إلى الاستقلال. وأن تجد زوجته في الدولة سنداً مؤسسياً يحفظ لها كرامتها لا يضعها في موقع من ينتظر العطف. فكرامة الإنسان لا تُصان بالشفقة، وإنما بالحق.
وهنا يظهر الفرق بين دولة تتذكر شهداءها ودولة تعرف معنى الشهادة. الأولى تحفظ أسماءهم في السجلات واللوحات أما الثانية فتحفظ حقوق الذين تركوهم وراءهم.
قد يكون من السهل أن تُخلّد الدولة اسم الشهيد في شارع أو مؤسسة، لكن الوفاء أن تضمن لابنه حق التعليم ولأرملته حياةً آمنة ولأسرته مكاناً محفوظاً في ضمير الوطن واهتمامه.
فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على صناعة النصر في ميادين القتال وإنما بقدرتها على حماية الإنسان بعد أن تنتهي المعركة. فالانتصار الذي يترك أسرة الشهيد وحيدةً في مواجهة الفقر والخوف والحرمان يظل ناقصاً في معناه، الدولة التي تطلب من أبنائها التضحية من أجلها، عليها ان تتحمل مسؤولية صون كرامة من خلّفوهم وراءهم وحماية حقوقهم ومستقبلهم.
خلّفت الحرب أسراً كثيرة تحمل وجع الفقد وتبعاته، فأصبحت رعايتها جزءاً من معركة إعادة بناء الدولة. ولا ينبغي أن تقف المسؤولية عند حدود الاحتفاء بالشهداء، بل أن تمتد إلى رؤية وطنية تجعل أسرهم شركاء في مستقبل البلاد وتصون كرامتهم وفاءً لتضحياتهم.
ينبغي أن تصبح رعاية أسر الشهداء منظومة وطنية مستدامة تتكامل فيها مسؤوليات الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، وتُصان فيها الحقوق بمعايير واضحة بعيدًا عن المزاج الشخصي والمواسم السياسية. منظومة تشمل التعليم والصحة والتأهيل والعمل والحماية الاجتماعية، حتى لا يبقى مستقبل الأسرة رهينًا بمعرفة مسؤول أو طرق أبواب المؤسسات.
رعاية أبناء الشهداء لا تكتمل بمواساتهم في الفقد وإنما بإنصافهم وفتح أبواب المستقبل أمامهم. فالعدالة أن نراعي تفاوت الأعباء وأن نمنحهم ما يعينهم على تجاوز الألم وصناعة مستقبلهم لا أن يبقوا أسرى صفة الضحية.
أن يصبح ابن الشهيد طبيباً أو مهندساً أو معلّماً أو عالماً أو قائداً في خدمة الناس، وأن تمضي ابنته في تعليمها دون أن ينكسر طموحها تحت وطأة الفقد، وأن تستعيد زوجته قدرتها على مواجهة الحياة وهي تشعر أن المجتمع لم يتخلَّ عنها، عندها تغدو للشهادة معنى وطنياً حياً، وتصبح رعاية أسرهم وفاءً يُرى في حياة من تركوهم خلفهم.
ثمة خطأ عميق في أن نعتقد أن الوفاء للذين ماتوا يكون بكثرة الحديث عنهم. أحياناً يكون الصمت أصدق والعمل أبلغ والمؤسسة العادلة أكثر وفاءً من ألف خطاب. فالشهيد لا يحتاج إلى أن نبالغ في مدحه يحتاج أن نكون جديرين بالمعنى الذي مات من أجله.
وإذا كان الوطن هو المكان الذي يمنح الإنسان شعوراً بأنه ليس وحده، فإن أسر الشهداء ينبغي أن يكونوا أول من يشعر بهذا المعنى. لأنهم دفعوا من حياتهم ما لا يمكن تعويضه، وأعطوا الوطن جزءاً لا يستعاد من أعمارهم وأحلامهم.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي بعد كل حرب لا ينبغي أن يكون: كم شهيداً فقدنا؟ السؤال الأكثر عمقاً. ماذا فعلنا بمن فقدوا آباءهم وأزواجهم وأبناءهم؟ في الإجابة عن هذا السؤال تُكتب أخلاق الأمم.
فقد تنسى الشعوب كثيراً من الخطب وقد تتغير الحكومات وتتبدل الشعارات وتسقط أسماء من السلطة وتأتي أسماء أخرى لكن الطفل الذي كبر دون أبيه لن ينسى أبداً ما إذا كان وطنه قد مد يده إليه حين احتاجها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لأسر الشهداء أن نخرج بهم من ثقافة الرثاء إلى فضاء التمكين ومن موقع الاحتياج إلى موقع المشاركة ومن ذاكرة الفقد إلى صناعة المستقبل. فليس المطلوب أن يعيش أبناء الشهداء أسرى لبطولة آبائهم وإنما أن يعيشوا أحراراً بفضلها.
وحين نصل إلى ذلك اليوم، يصبح الشهيد حاضراً بطريقة اكثر عمقاً من الصورة والاسم والذكرى. يصبح حاضراً في مدرسة تعلم فيها ابنه وفي بيت آمن سكنت فيه أسرته وفي مهنة صنع بها أحد أبنائه مستقبله وفي امرأة استطاعت أن تواصل حياتها بكرامة.
عندها لا يكون الوطن قد اكتفى بأن يقول للشهيد. لن ننساك. يكون قد أثبت له بالفعل أنه لم ينسَ من تركهم وراءه. أصدق صورة للوفاء. أن يتحول غيابه إلى مسؤولية، ومسؤوليتنا إلى عدالة، وعدالتنا إلى مستقبل يليق بمن دفعوا حياتهم ثمناً لكي يبقى لهذا الوطن مستقبل.
abudafair@hotmail.com
