تكاد الحياة أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في ولاية القضارف؛ شوارع فارغة إلا من خطى طلاب المدارس والجامعات وهم يشقون طريقهم راجلين تحت لهيب القهر وغياب أبسط وسائل الترحيل؛ أسواق معطلة تضج بصراخ الكادحين، ومراكز ما يسمى (أعباء المعيشة) التي تحولت بقدرة قادر إلى “سرطان مضاف” ينهش جسد المدينة المكلومة. سلع مدعومة تباع في سراديب السوق الأسود، ومراكز تفتح وتغلق أبوابها بلا استيحاء كالعيادات الخاصة! وبينما تتغنى الحكومة بنية التوسع في هذه المهازل، يدرك المواطن تماماً أن كل سلعة تمر عبر هذه المنافذ هي طلقة جديدة في صدر السوق الأسود، وأن كل مركز ليس سوى بوابة خلفية للثراء الحرام وتوسيع رقعة الأزمة.
لكن الكارثة الأكبر تكمن في مكان آخر.. فوسط هذا الجحيم المطبق، يتربع والي القضارف ووزير ماليته على عرش من “البرود والاسترخاء”, ناظرين إلى معاناة الناس باستهتار بالغ؛ يوجهون أموال المقاومة والاستنفار المخصصة لدماء الرجال وأرواح الأبرياء لتصب في جيب “شركات الأسفلت”، متجاهلين أبسط أولويات التدريب والدفاع! لقد تحول الأسفلت في عهد هذه الإدارة من مشروع تنموي خدمي إلى “حالة إدمان ووسواس قهري”، وآلة عملاقة لابتلاع أموال الولاية وشفطها من أيادي الأئمة ولجان الإسناد لتستقر في خزائن تجار الأزمات والأسواق الموازية.
أليست هذه هي الأموال التي استحلبتها حكومة الولاية بالابتزاز تحت غطاء “المجهود الحربي”؟ أين ذهبت؟ لم تؤمّن قراهم، ولم تحمِهم من بطش عصابات الشفتة، ولم تحرك ذرة من نخوة الحكومة لتواساة أهل “عصار”، أو لتحتفي بالأسرى العائدين من قبضة “أحباش الفانو” بكرامة تليق بتضحياتهم. أموال ملعونة لم ترصف طريقاً، ولم تشيد مستشفى، ولم تبنِ مدرسة.. بل إن على أبواب خزائنها يجلس ذات الوزير الذي أكمل “عقدًا كاملاً” من الزمان في السلطة، وها هو يمضي ليفتتح عقده الثاني على ذات المقعد والموقع، كأن القضارف عقيمة لا تلد الكفاءات!
ونحن على أعتاب وخواتيم العام المالي، لا نترقب تقارير فضفاضة ولا مراجعات باهتة تدار بصفقات “الفارهات” وإيجارات شقق المراقبين للمال العام.
هذه صرخة نطلقها مدوية إلى ديوان المراجع القومي وإلى الحكومة الاتحادية القضارف تنزف تحت سياط العبث المالي والإداري، وإن سكوتكم على ما يجري هناك هو شراكة صريحة في جريمة استنزاف إنسان الولاية وماله العام. إننا نضع أمامكم هذا الملف العاجل، منتظرين تحركاً فورياً وفحصاً دقيقاً لكل مليم أُهدر تحت غطاء “المجهود الحربي” و”هوس الأسفلت”، قبل أن تخرج الأمور عن النص تماماً.
ولنا عودة إلى باقي الكلام..
