لم يعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد تطور أمني بل يأتي ضمن بيئة إقليمية تتداخل فيها اعتبارات الأمن مع التجارة والطاقة والموانئ والاستثمار وسلاسل الإمداد.
ومع الخطوات التي شهدها اجتماع الرياض في 5 أكتوبر 2026 تزداد أهمية البحر الأحمر باعتباره ممراً تتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية وحركة التجارة الدولية.
وفي قلب هذه المعادلة يقع السودان الذي يمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وميناء بورتسودان وموارد زراعية ومعدنية وموقعاً يمكن أن يربط شبه الجزيرة العربية بشرق ووسط أفريقيا.
ومن هنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: كيف يستطيع السودان تحويل موقعه الجغرافي من ميزة طبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟
البحر الأحمر: من ممر جغرافي إلى فرصة اقتصادية
الاقتصاد لا يعمل بمعزل عن الأمن. فالمخاطر في الممرات البحرية تؤثر في تكاليف الشحن والتأمين وحركة السفن والاستثمارات وسلاسل الإمداد.
والبحر الأحمر المرتبط بباب المندب جزء من شبكة التجارة التي تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. ولذلك فإن استقرار الممرات البحرية وكفاءة الموانئ يمثلان قيمة اقتصادية متزايدة.
وهنا يستطيع السودان أن يكون مستفيداً من التحولات الإقليمية بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍ لآثارها إذا استطاع تحويل موقعه إلى بنية تجارية ولوجستية فعالة.
بورتسودان: من ميناء إلى منصة إقليمية
يمثل بورتسودان نقطة البداية في أي استراتيجية سودانية للاقتصاد البحري. لكن المطلوب ليس فقط زيادة حركة الصادرات والواردات وإنما تحويله إلى منصة لوجستية متكاملة تشمل التخزين وإعادة التصدير والخدمات البحرية والمناطق الاقتصادية والصناعية وسلاسل التبريد والتمويل التجاري والتصنيع والتعبئة.
فالقيمة الحقيقية لا تكمن في مرور البضائع فقط بل في القيمة المضافة التي يمكن خلقها حولها.
لكن الميناء وحده لا يكفي. فلابد من ربطه بشبكة طرق وسكك حديدية تصل إلى مناطق الإنتاج والأسواق السودانية والأفريقية بما يحول إلى ممر اقتصادي متكامل.
الاستثمار الخليجي والأمن الغذائي
تمثل السعودية ودول الخليج فرصة مهمة للسودان خصوصاً في الزراعة والأمن الغذائي والثروة الحيوانية والتعدين والطاقة والنقل واللوجستيات والصناعات الغذائية.
لكن المطلوب هو الانتقال من نموذج التمويل والمساعدات إلى نموذج:
استثمار , إنتاج , تجارة , قيمة مضافة , وظائف , نمو.
ويمتلك السودان فرصة خاصة في الأمن الغذائي؛ إذ يمكن تطوير سلاسل قيمة تبدأ من الزراعة والتخزين والتصنيع الغذائي والنقل المبرد وتنتهي بالتصدير عبر البحر الأحمر.
والهدف ليس فقط زيادة حجم الصادرات وإنما زيادة القيمة الاقتصادية التي تبقى داخل السودان.
وينطبق الأمر نفسه على التعدين حيث ينبغي الانتقال تدريجياً من استخراج الخام وتصديره إلى المعالجة وإضافة القيمة والتصنيع الأولي.
الطاقة وسلاسل الإمداد
لا يمكن بناء اقتصاد لوجستي أو صناعي تنافسي من دون طاقة مستقرة. فالموانئ والمخازن والتبريد والصناعات والخدمات الرقمية تحتاج إلى كهرباء موثوقة وتنافسية.
لذلك ينبغي أن تكون إعادة بناء قطاع الطاقة جزءاً من استراتيجية النمو مع الاستفادة من إمكانات الطاقة المتجددة خاصة الشمسية.
وفي الوقت نفسه تعيد الشركات والدول النظر في سلاسل الإمداد على أساس لا يعتمد على التكلفة فقط بل على:
التكلفة + الأمن + السرعة + المرونة + الاستقرار.
وهذا يخلق فرصة للسودان شرط توفير موانئ فعالة وطرق وسكك حديدية ومناطق تخزين وتوزيع وجمارك رقمية وخدمات مالية وتشريعات استثمارية واضحة.
الإصلاح المؤسسي وإعادة الإعمار
لن يكفي الموقع الجغرافي أو حجم الموارد لجذب الاستثمار من دون بيئة مؤسسية مستقرة. فالمستثمر يهتم بوضوح القوانين وحماية الملكية وتحويل الأرباح وكفاءة الجمارك وتسوية المنازعات واستقرار السياسات وتوافر البيانات وتكلفة الطاقة والنقل.
ولهذا يجب أن تسير إعادة بناء المؤسسات بالتوازي مع إعادة بناء البنية التحتية من خلال تبسيط الإجراءات والرقمنة والشفافية وتحسين الخدمات المصرفية والجمركية.
أما إعادة الإعمار فينبغي ألا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب بل أن تكون فرصة لإعادة تصميم الاقتصاد السوداني ليصبح أكثر ارتباطاً بالتجارة الإقليمية.
وتشمل الأولويات: تحديث الموانئ وتأهيل الطرق والسكك الحديدية وتطوير الطاقة وإنشاء مناطق اقتصادية ولوجستية وتحديث الجمارك ودعم الصناعات التحويلية وربط مناطق الإنتاج بالأسواق.
من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الاقتصادية
ظل موقع السودان يُنظر إليه طويلاً باعتباره ميزة سياسية واستراتيجية. أما المرحلة المقبلة فتتطلب تحويله إلى ميزة اقتصادية.
فالساحل وحده لا يكفي والميناء لا يكفي والموارد لا تكفي.
القوة الاقتصادية تنشأ من ربطها في منظومة واحدة:
الموقع + الأمن + البنية التحتية + المؤسسات + الاستثمار + الإنتاج = قوة اقتصادية.
ومن هنا تبرز سبع أولويات:
1- تطوير بورتسودان كمنصة لوجستية إقليمية.
2- إنشاء مناطق اقتصادية وصناعية حول الميناء.
3- إعادة بناء الطرق والسكك الحديدية.
4- إصلاح بيئة الاستثمار والحوكمة والرقمنة.
5- تطوير الطاقة وخفض تكلفتها.
6- إضافة قيمة للصادرات الزراعية والمعدنية.
7- بناء شراكات اقتصادية طويلة الأجل مع الخليج وتركيا وباكستان ودول شرق ووسط أفريقيا.
الخلاصة
تمنح التحولات الجديدة في البحر الأحمر السودان فرصة اقتصادية مهمة لكنها ليست فرصة تلقائية.
فالسودان يستطيع أن يتحول إلى مركز للتجارة واللوجستيات والخدمات الإقليمية لكنه يحتاج إلى تحويل موقعه الجغرافي إلى مشاريع ومشاريعه إلى استثمارات واستثماراته إلى إنتاج وقيمة مضافة.
ولهذا ينبغي أن تكون الرؤية واضحة:
من الموقع إلى الميناء ومن الميناء إلى الممر الاقتصادي ومن الممر إلى الاستثمار ومن الاستثمار إلى الإنتاج ومن الإنتاج إلى التصدير والنمو.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب بل إلى إعادة بناء موقعه الاقتصادي في الإقليم.
والتحدي الحقيقي هو أن يصبح السودان جزءاً من القيمة التي تمر عبر البحر الأحمر لا مجرد دولة تقع على ساحله.
د. نفيسة ابراهيم الامير
