“تتفاعل في الهضبة الإثيوبية اليوم خيوط معقدة من الصراع المفتوح على كافة الاحتمالات، حيث تتداخل حسابات البقاء السياسي للسلطة المركزية مع طموحات تشكيل جبهة معارضة مسلحة عريضة تضم فصائل ذات خلفيات أيديولوجية وقومية متباينة. تشير المعطيات الميدانية إلى أن انهيار تفاهمات بريتوريا التاريخية لم يكن مجرد خرق عسكري عابر، بل دشّن مرحلة جديدة من التدافع العنيف الذي تعيد فيه المكونات الإقليمية تموضعها ببراغماتية حذرة. وفي الغرف المغلقة حيث تُدار دواليب الأزمات، تبرز مساعي توحيد البنادق تحت راية تقويض نفوذ حزب الازدهار، غير أن هذا الائتلاف يواجه اختبارات وجودية قاسية تفرضها التناقضات التاريخية والتقاطعات الجغرافية بين مكوناته التي كانت بالأمس القريب تتبادل الخنادق والنيران.
تتجسد تعقيدات المشهد الراهن في تباين الرؤى حيال إدارة المعركة وأدوات الضغط المستخدمة، إذ تراهن الحكومة على توظيف قدراتها السياسية والمؤسسية ومكتسباتها الدبلوماسية لتفتيت هذا التضامن الهش عبر مفاوضات جزئية أو عبر استعادة السيطرة على العقد اللوجستية الحيوية. في المقابل، تسعى فصائل المعارضة إلى استثمار حالة الإنهاك المالي والميداني التي تعاني منها المؤسسة العسكرية الفيدرالية، متوسلة استراتيجية الحرب الهجينة والضربات الخاطفة في العمق لرفع كلفة استمرار الوضع القائم على دافعي الضرائب والقيادة السياسية في أديس أبابا. هذا التجاذب المستمر يخلق حالة من التوازن الهش الذي يعرض استقرار الدولة بأكملها لاختبارات قاسية تمتد تداعياتها لتشمل القرن الأفريقي بأسره.
تتعدد المسارات المستقبلية التي يمكن أن تفضي إليها هذه المواجهة، فأرجحها في المدى المنظور يتمثل في استنزاف طويل الأمد على جبهات متعددة دون حسم قاطع لأي من الطرفين، وهو ما يؤدي حتماً إلى تآكل بطيء لمؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على فرض سيادتها الفاعلة على الأطراف. ويحمل هذا المسار في طياته مخاطر هيكلية جسيمة تتمثل في تفكك الروابط الاقتصادية والمالية، وعجز الجهاز الإداري عن الوفاء بالتزاماته الأساسية، مما يمهد الطريق تدريجياً نحو سيناريوهات أكثر قتامة تتضمن شللاً كاملاً في مفاصل القرار السيادي أو تشكيل كيانات موازية تنازع المركز شرعيته وموارده. ولا يبدو أن الحلول العسكرية البحتة قادرة على ترجيح كفة على أخرى في ظل تداخل المصالح الإقليمية واستعداد أطراف خارجية لدعم هذا الطرف أو ذاك لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي والمائي.
إن تتبع خيوط الأزمة يكشف عن أن نقطة التحول الكبرى ستتحدد بناءً على مدى قدرة الحكومة على الاحتفاظ بالموارد الحيوية وولاء القيادات العسكرية العليا، في مقابل قدرة التحالف المعارض على تجاوز تناقضاته الداخلية والحفاظ على تماسكه الميداني تحت وطأة الضغوط الفيدرالية المتواصلة. وحين تتشابك خيوط السياسة والميدان على هذا النحو المعقد، تصبح الدولة الإثيوبية رهينة لحسابات دقيقة تتجاوز مجرد الصراع على مقاعد الحكم لتلامس مسألة بقاء الكيان السياسي ذاته في صيغته التاريخية المعروفة، وهو ما يفرض على المراقبين رصد مؤشرات التصدع المالي والإداري بوصفها العلامات الأوضح على اقتراب نقطة اللاعودة.
