السبت, أكتوبر 3, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة بين حارثٍ حمل صوت السودان.. ولطيفٍ نبش دفاتر الحارث

كتب محمد لطيف تعقيبًا على خطاب مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس ، محاولاً أن يجعل من العبارة التي أوردها الرجل في خطابه مادة للسخرية والتندر ، ومقارباً بينها وبين معلقة الحارث بن حلزة الجاهلي ، ولا بأس أن يختلف الكاتب مع لغة الخطاب أو أسلوبه ، فالاختلاف في الرأي حق مشروع ، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول السخرية من عبارة إلى محاولة انتقاص من موقف وطني .

الحارث إدريس لم يكن واقفاً في مجلس أدبي يستعرض محفوظاته من الشعر الجاهلي ، ولم يكن يخوض منافسة في البلاغة والفصاحة ، كان يقف في الأمم المتحدة مندوباً عن السودان ، وناطقًا باسم كل اهل السودان ، في واحدة من أكثر مراحل البلاد دموية وتعقيداً ، ويتحدث باسم دولة وشعب أنهكته الحرب ، ويدافع عن الموقف السوداني تجاه دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع ، قد يرى البعض أن عبارته كانت حادة ، وقد يختلف آخرون مع مفرداتها لأنها تناسب مرارة من فُجع في قتل أباه امام ناظرية ، ومن اغتصبت ابنته امام عينيه ، ومن سُبيت حرائرهن ولم يعرف مصيرهن حتى الآن ، فالحارث اختار أن يحمل صوت بلاده إلى منبر دولي ، وأن يتحدث بوضوح عن موقف السودان تجاه دولة تقدم الدعم لمليشيا آل دقلو التي يسبح لطيف بحمدها ، بعد ان خلع عباءة الإنقاذ وتنكر للبشير.
وهنا يبرز السؤال لمحمد لطيف ، هل يستطيع أن يقف الموقف نفسه؟ هل يستطيع أن يقف في منبر “ما” مدافعاً عن السودان كما فعل الحارث ، وأن يواجه من يرى السودان أنهم يدعمون الحرب والمليشيا ، بالوضوح والقوة نفسيهما ، أم أن الشجاعة في قراءة مواقف الآخرين أسهل كثيراً من الوقوف في موقع المواجهة ، ثم إن الكاتب جعل محوراً كبيراً من مقاله في البحث عن تناقضات علاقة حكومة السودان بالإمارات ، مستشهداً بالمفاوضات والمصارف والاستثمارات والمبادرات السياسية ، هذا حقه في التحليل ، لكن من حق القارئ أيضاً أن يسأل الكاتب عن مواقفه السابقة ، خصوصاً أن محمد لطيف كان جزءاً من المشهد الصحفي والسياسي في عهد الإنقاذ ، وكانت له صلات وحضور في دوائر من أسماه النظام السابق ، لطيف كان يصلي بلا وضوء في ديار البشير ، يتواجد في تكايا البشير اكثر من تواجده في بيته وعياله.

ليس في مراجعة الإنسان لمواقفه القديمة عيب ، فالإنسان قد يغير رأيه عندما تتغير قناعاته أو تتغير الظروف ، لكن المشكلة حين يتحول الماضي إلى سلاح ضد الآخرين فقط ، بينما يصبح الماضي الشخصي شيئاً ينبغي ألا يتذكره أحد ، فإذا كان محمد لطيف يريد أن يفتح دفاتر المواقف القديمة ، فليفتحها كاملة ، وليكن السؤال على الجميع ، لا على طرف واحد ، فالذاكرة السودانية ليست ورقة يمكن أن نمحو منها ما لا يعجبنا ونحتفظ بما يخدم روايتنا.

أما الحارث إدريس ، فمهما اختلفنا معه في العبارة أو الأسلوب ، فإن الرجل وقف في الأمم المتحدة ممثلاً للسودان ، ودافع عن موقف بلاده بالشجاعة التي يفتقر لها لطيف ، وعبّر عن غضب قطاع واسع من السودانيين تجاه الدعم الخارجي للمليشيا التي تخوض الحرب ضد الدولة والشعب .
ليست القضية إذن في «شِسع نعل كليب» وحدها ، ولا في براعة العبارة من عدمها ، فقد برع الحارث بشهادة الملايين فلن تنقصه شهادة لطيف ورهطه شيئا ، فالقضية في الموقف الذي حملها ، وفي السياق الذي قيلت فيه ، وفي قدرة صاحبها على الوقوف في منبر دولي والدفاع عن القضية التي يمثلها ،
أما أن نسخر من الرجل لأنه استخدم عبارة حادة ، ثم ننسى أن وراءها قضية وطن وحرباً ودماءً واشلاء وملايين النازحين والمشردين واللاجئيين، فذلك اختزال للمشهد في جملة ، بينما القضية أكبر من كل الجمل.
محمد لطيف حر في أن ينتقد الحارث إدريس ، وحر في أن ينتقد الحكومة ، وحر في أن يقرأ المشهد بالطريقة التي يراها ، لكن من حق السودانيين أيضاً أن يسألوه عن مواقفه ، وأن يقارنوا بين ما يكتبه اليوم وما كان يفعله بالأمس ،
فالصحافة ليست فقط أن تسأل الآخرين أين كنتم ، بل أن تكون مستعداً أيضاً لأن يُسألك الناس أين كنت أنت ، فهل يستطيع محمد لطيف أن يقف موقف الحارث إدريس ، ذلك هو السؤال الذي يستحق الإجابة ، بعيداً عن المعلقات وشِسع النعال ، فتباً للحيّة التي تغيّر جلدها ، ثم تظن أن الناس نسوا شكلها القديم…لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات