كتب محمد لطيف تعقيبًا على خطاب مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس ، محاولاً أن يجعل من العبارة التي أوردها الرجل في خطابه مادة للسخرية والتندر ، ومقارباً بينها وبين معلقة الحارث بن حلزة الجاهلي ، ولا بأس أن يختلف الكاتب مع لغة الخطاب أو أسلوبه ، فالاختلاف في الرأي حق مشروع ، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول السخرية من عبارة إلى محاولة انتقاص من موقف وطني .
الحارث إدريس لم يكن واقفاً في مجلس أدبي يستعرض محفوظاته من الشعر الجاهلي ، ولم يكن يخوض منافسة في البلاغة والفصاحة ، كان يقف في الأمم المتحدة مندوباً عن السودان ، وناطقًا باسم كل اهل السودان ، في واحدة من أكثر مراحل البلاد دموية وتعقيداً ، ويتحدث باسم دولة وشعب أنهكته الحرب ، ويدافع عن الموقف السوداني تجاه دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع ، قد يرى البعض أن عبارته كانت حادة ، وقد يختلف آخرون مع مفرداتها لأنها تناسب مرارة من فُجع في قتل أباه امام ناظرية ، ومن اغتصبت ابنته امام عينيه ، ومن سُبيت حرائرهن ولم يعرف مصيرهن حتى الآن ، فالحارث اختار أن يحمل صوت بلاده إلى منبر دولي ، وأن يتحدث بوضوح عن موقف السودان تجاه دولة تقدم الدعم لمليشيا آل دقلو التي يسبح لطيف بحمدها ، بعد ان خلع عباءة الإنقاذ وتنكر للبشير.
وهنا يبرز السؤال لمحمد لطيف ، هل يستطيع أن يقف الموقف نفسه؟ هل يستطيع أن يقف في منبر “ما” مدافعاً عن السودان كما فعل الحارث ، وأن يواجه من يرى السودان أنهم يدعمون الحرب والمليشيا ، بالوضوح والقوة نفسيهما ، أم أن الشجاعة في قراءة مواقف الآخرين أسهل كثيراً من الوقوف في موقع المواجهة ، ثم إن الكاتب جعل محوراً كبيراً من مقاله في البحث عن تناقضات علاقة حكومة السودان بالإمارات ، مستشهداً بالمفاوضات والمصارف والاستثمارات والمبادرات السياسية ، هذا حقه في التحليل ، لكن من حق القارئ أيضاً أن يسأل الكاتب عن مواقفه السابقة ، خصوصاً أن محمد لطيف كان جزءاً من المشهد الصحفي والسياسي في عهد الإنقاذ ، وكانت له صلات وحضور في دوائر من أسماه النظام السابق ، لطيف كان يصلي بلا وضوء في ديار البشير ، يتواجد في تكايا البشير اكثر من تواجده في بيته وعياله.
ليس في مراجعة الإنسان لمواقفه القديمة عيب ، فالإنسان قد يغير رأيه عندما تتغير قناعاته أو تتغير الظروف ، لكن المشكلة حين يتحول الماضي إلى سلاح ضد الآخرين فقط ، بينما يصبح الماضي الشخصي شيئاً ينبغي ألا يتذكره أحد ، فإذا كان محمد لطيف يريد أن يفتح دفاتر المواقف القديمة ، فليفتحها كاملة ، وليكن السؤال على الجميع ، لا على طرف واحد ، فالذاكرة السودانية ليست ورقة يمكن أن نمحو منها ما لا يعجبنا ونحتفظ بما يخدم روايتنا.
أما الحارث إدريس ، فمهما اختلفنا معه في العبارة أو الأسلوب ، فإن الرجل وقف في الأمم المتحدة ممثلاً للسودان ، ودافع عن موقف بلاده بالشجاعة التي يفتقر لها لطيف ، وعبّر عن غضب قطاع واسع من السودانيين تجاه الدعم الخارجي للمليشيا التي تخوض الحرب ضد الدولة والشعب .
ليست القضية إذن في «شِسع نعل كليب» وحدها ، ولا في براعة العبارة من عدمها ، فقد برع الحارث بشهادة الملايين فلن تنقصه شهادة لطيف ورهطه شيئا ، فالقضية في الموقف الذي حملها ، وفي السياق الذي قيلت فيه ، وفي قدرة صاحبها على الوقوف في منبر دولي والدفاع عن القضية التي يمثلها ،
أما أن نسخر من الرجل لأنه استخدم عبارة حادة ، ثم ننسى أن وراءها قضية وطن وحرباً ودماءً واشلاء وملايين النازحين والمشردين واللاجئيين، فذلك اختزال للمشهد في جملة ، بينما القضية أكبر من كل الجمل.
محمد لطيف حر في أن ينتقد الحارث إدريس ، وحر في أن ينتقد الحكومة ، وحر في أن يقرأ المشهد بالطريقة التي يراها ، لكن من حق السودانيين أيضاً أن يسألوه عن مواقفه ، وأن يقارنوا بين ما يكتبه اليوم وما كان يفعله بالأمس ،
فالصحافة ليست فقط أن تسأل الآخرين أين كنتم ، بل أن تكون مستعداً أيضاً لأن يُسألك الناس أين كنت أنت ، فهل يستطيع محمد لطيف أن يقف موقف الحارث إدريس ، ذلك هو السؤال الذي يستحق الإجابة ، بعيداً عن المعلقات وشِسع النعال ، فتباً للحيّة التي تغيّر جلدها ، ثم تظن أن الناس نسوا شكلها القديم…لنا عودة.
