عادة ما يُسأل عن أسعار الصرف اليوم، لكن إجابة الجنيه السوداني مكتوبة في ميزان المدفوعات. تُظهر بيانات بنك السودان المركزي للربع الأول من عام 2026 عجزًا في الحساب الجاري بقيمة 1,562.2 مليون دولار، مقابل 965.4 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة قدرها 61.8%. وهذا يعادل 31% من إجمالي عجز العام الماضي بأكمله (4,983.7 مليون دولار) تم الوصول إليها في ثلاثة أشهر فقط. وإذا استمر هذا النسق، سيفوق العجز 6.2 مليار دولار في عام 2026. وراء هذا الرقم يقبع سبب بسيط: صادرات الربع الأول بلغت 697.9 مليون دولار مقابل واردات بقيمة 1,937.7 مليون دولار، أي أن الصادرات تغطي 36% فقط من الواردات. وهي نفس النسبة المسجلة في 2025 (2,639.4 مليون دولار مقابل 7,323.1 مليون دولار)، مقارنة بـ 51% في عام 2021 عندما صدرت البلاد ما قيمته 5,027.4 مليون دولار واستوردت بـ 9,894.0 مليون دولار. بعبارة أخرى، تبيع البلاد أقل من نصف ما كانت تبيعه قبل خمس سنوات بينما تشتري بالقرب من المستويات القديمة.
أخطر ملامح فاتورة الواردات هي تركزها في سلعتين لا يمكن الاستغناء عنهما. في عام 2025، بلغت واردات المنتجات البترولية 1,634.8 مليون دولار (22.3% من الواردات) والقمح ودقيق القمح 646.2 مليون دولار (8.8%)، بجمال قدره 2,281 مليون دولار، في حين أن الذهب -وهو عمود الصادرات الفقري- لم يجلب سوى 1,536.3 مليون دولار، مغطيًا 67% فقط من فاتورتهما. وفي الربع الأول من عام 2026 ساءت الصورة أكثر: الوقود 501.2 مليون دولار والقمح 188.4 مليون دولار، بإجمالي 689.6 مليون دولار، مما ابتلع 99% من إجمالي حصيلة الصادرات (697.9 مليون دولار). وبصياغة أخرى، بمجرد دفع قيمة الوقود والقمح، لا يتبقى شيء من دخل البلاد الخارجي لتمويل الدواء، والصناعة، والنقل، والمعدات. قفز الوقود وحده من 346.4 مليون دولار في الربع الأول من 2025 إلى 501.2 مليون دولار، بزيادة 44.7%.
الذهب نفسه يروي قصة التسرب. انخفضت صادراته المسجلة من 2,848.2 مليون دولار في 2021 إلى 1,536.3 مليون دولار في 2025، بانخفاض 46%، رغم أن سعره العالمي تضاعف تقريبًا خلال الفترة نفسها. وهبطت أكثر في الربع الأول من 2026 إلى 370.7 مليون دولار مقارنة بـ 449.5 مليون دولار في العام السابق (-17.5%)، وتراجعت حصة الذهب من الصادرات من 58% في 2025 إلى 53%. وبما أن كل طن يُصدّر عبر القنوات الرسمية يعادل نحو 104.5 مليون دولار بناءً على أرقام 2025 (1,536.3 مليون دولار لمقدار 14.7 طن تقريبًا)، فإن جذب عشرة أطنان إضافية فقط إلى تلك القنوات سيجلب نحو مليار دولار: وهو ما يغطي فاتورة القمح بأكملها بالإضافة إلى ربع فاتورة الوقود. وهذا يعني أن مفتاح استقرار سعر الصرف يقع في متناول سياسة تسعير الذهب، وليس في عجز يستعصي على العلاج.
الذهب ليس النقطة الضعيفة الوحيدة في جانب العرض. فالمنح والتحويلات الحكومية، التي كانت تغطي جزءًا من الفجوة، انخفضت بشدة: إذ تراجعت تحويلات الحكومة العامة من 315.2 مليون دولار في الربع الأول من 2025 إلى 106.4 مليون دولار في الربع نفسه من 2026 (-66%)، وانخفض فائض الدخل الثانوي من 315.4 مليون دولار إلى 82.1 مليون دولار. وعلى مدار عام 2025 بأكمله، مولت القروض والمنح نحو 24% من عجز الحساب الجاري (1,204.7 مليون دولار من أصل 4,983.7 مليون دولار). أما تحويلات المغتربين المسجلة رسميًا، فلم تتجاوز 9.5 مليون دولار في عام 2025 بأكمله. وهذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للتحويلات بل الحصة التي تمر عبر القنوات الرسمية؛ وما يمر خارجها يتحول إلى عرض في السوق الموازية.
على الجانب النقدي، لا تتوقف القصة عند الدولار. في ثلاثة أشهر، نمت الكتلة النقدية (M2) بنسبة 25.7%، من 25.3 ترليون جنيه سوداني إلى 31.8 ترليون، وخلال عام 2025 بأكمله نمت بنسبة 74.7% (من 14.48 إلى 25.30 ترليون)، بينما ارتفعت القاعدة النقدية بنسبة 26.1% في الربع الأول وحده. ومصدر هذه الزيادة واضح في الميزانية العمومية للقطاع المصرفي: فقد قفز صافي مطالباته على الحكومة بنسبة 35.6% في ربع واحد (من 16.35 ترليون جنيه إلى 22.17 ترليون)، وتضاعفت أكثر مقارنة بمارس 2025 (9.07 ترليون جنيه، بزيادة 144%). هذا هو التمويل العجزي التضخمي، الذي يضخ جنيهات إضافية في اقتصاد ينكمش إنتاجه، وتذهب تلك الجنيهات للبحث عن الدولار والذهب. في الوقت نفسه، تظل العوائد على المدخرات دون مستوى التضخم: بلغ متوسط هامش المرابحة 28.1% وحصص المشاركة 30.9% في مارس، مقابل تضخم بلغ 40.2%.
ظهر هذا في سعر الصرف بعدة أشكال. ارتفع متوسط سعر شراء الدولار لدى البنوك التجارية من 2,574.05 جنيه سوداني في نهاية ديسمبر 2025 إلى 2,993.93 في مارس 2026 (+16.3%)، وبلغ أعلى سعر شراء مسجل 3,817.06 جنيه في مارس مقابل 2,550.22 في يناير 2025 (+49.7%). لكن السوق الموازية كانت تركض بعيدًا في الأمام: فقد تجاوزت 4,700-4,800 جنيه خلال الفترة نفسها، بفجوة تقارب 57-60% عن متوسط البنوك، قبل أن تصل إلى نحو 8,200 جنيه، أي أكثر من ضعف مستواها عندما بدأت عند 4,020. (أسعار السوق الموازية المذكورة تأتي من تقارير السوق وليس من بنك السودان المركزي، ومقارنتها بمتوسط البنوك لنجاح مارس لا تعادل مقارنتها بالسعر الرسمي اليوم).
التضخم الرسمي يتطلب قراءة حذرة. أعلن الجهاز المركزي للإحصاء عن تضخم سنوي بلغ 26.14% لشهر أغسطس، انخفاضًا من 40.2% في مارس وفقًا للبنك المركزي، لكن جزءًا كبيرًا من هذا الانخفاض حسابي وليس اقتصاديًا. قفز الرقم القياسي للأسعار بنسبة 16% في أغسطس 2025 وحده (من 507,688.6 إلى 588,887.0)، مما يجعل أي مقارنة سنوية بتلك الشهر تبدو أخف مما هي عليه. ومقاسًا بـ يوليو 2025، فإن تضخم يوليو 2026 (718,930.7) يصل إلى نحو 41.6% وليس 26%. النظرة الأكثر دقة هي الوتيرة الحالية: ارتفع المؤشر من 618,552.0 في مارس إلى 742,830.1 في أغسطس، أي بنسبة 20.1% في خمسة أشهر، وهو ما يعادل نحو 55% على أساس سنوي، وكانت الزيادة الشهرية لشهر أغسطس وحده 3.32%. الأسعار تتسارع ولا تتباطأ.
من هنا تتضح طبيعة المشكلة: أنها ليست أزمة سعر بل أزمة ثلاثية. الدولارات شحيحة لأن حصيلة الصادرات لا تغطي فاتورة سلعتين؛ والجنيهات وفيرة لأن الدولة تمول عجزها بإصدار النقود؛ والسعر الرسمي لا يلتقي بالسعر الحقيقي، فتتحول القنوات الرسمية إلى هامش. وكل جزء من الأجزاء الثلاثة يغذي الآخَرين.
يبدأ الحل من حيث يفتح الباب على وسعه.
الخطوة الأولى: جعل مبيعات الذهب الرسمية أكثر إغراءً من التهريب، بسعر شراء قريب من السعر الحقيقي مع الدفع الفوري، لأن عشرة أطنان وحدها تعادل فاتورة القمح زائد ربع الوقود.
الخطوة الثانية: تقريب السعر الرسمي تدريجيًا من السعر الموازي عبر آلية معلنة، إذ إن الفجوة الاتساعية هي ما يخلق المضاربات والتشوهات.
الخطوة الثالثة: تخصيص النقد الأجنبي للوقود والقمح عبر مناقصات شفافة وتمويلات مضمونة، لأن 2.3 مليار دولار سنوياً لسلعتين تستحق الأولوية في إدارة التمويل والشراء.
الخطوة الرابعة: كبح التمويل التضخمي بربط أي إصدار بإيرادات حقيقية، إذ لا يمكن لمطالبات القطاع المصرفي على الحكومة، الارتفاع بنسبة 144% في عام، أن تستمر.
الخطوة الخامسة: فتح قنوات رسمية جاذبة لتحويلات المغتربين وخطوط ائتمان خارجية لتعويض تراجع المنح. لا تكفي أي من هذه الخطوات بمفردها: فالتحرير دون كبح الإصدار يرفع الأسعار فوراً، وسعر ذهب مجزٍ دون ضبط سعر الصرف تبتلعه الفجوة.
أما التوقعات، فتعتمد على المسار الذي تتخذه الدولة، ولتحويل ذلك إلى أرقام قابلة للاختبار يكفي قياس الوتيرة التي اتبعها السوق الموازي بالفعل. من نحو 4,750 جنيه سوداني في مارس 2026 إلى نحو 8,200 اليوم، بزيادة قدرها 73% في نحو ستة أشهر ونصف، فقد الجنيه قيمته بمعدل يبلغ نحو 8.8% شهريًا، وهو ما يعادل 2.7 ضعفًا على أساس سنوي. إذا استمرت السياسات على حالها واستمر الدولار بالتحرك بهذه الوتيرة، فإن محاكاة سلوك السوق الموازي تضعه بين 9,300 و12,300 جنيه:
يُمس الحد الأدنى في منتصف نوفمبر 2026 (خلال شهر ونصف).
يُمس الحد الأعلى في فبراير 2027 (خلال خمسة أشهر).
وبحلول نهاية عام 2026 يقترب السعر من 10,500.
تلك زيادة تتراوح بين 13% و50% عن المستوى الحالي للفترة من نوفمبر 2026 إلى فبراير 2027، وتدعم المؤشرات المحلية هذا المسار: عجز في الحساب الجاري يتجه نحو 6 مليارات دولار، منح متقلصة، إصدار نقدي ينمو بنسبة 25% في الربع، وتضخم شهري يعادل 55% سنوياً.
حساسية النتيجة للوتيرة كبيرة، وهذا هو جوهر الأمر. لو تباطأت الوتيرة إلى 4% شهريًا، لوصل الدولار إلى نحو 10,400 بعد ستة أشهر، وعند 2% لن يتجاوز 9,200 في الفترة نفسها. بالتالي، يتطلب الوصول إلى الحد الأعلى استمرار الوتيرة المسجلة في الأشهر الأخيرة، بينما يؤدي ضبط الإصدار وتسعير الذهب بشكل صحيح إلى خفض الوتيرة قبل أن يغير المستوى. هذا تقدير يفترض ثبات الوتيرة: قد يتجاوزها السوق إذا وصلت صدمة جديدة مثل انقطاع الإمدادات أو هبوط المنح، وقد يقل عنها إذا بدأت إصلاحات حقيقية. وإذا اقتصرت الإصلاحات على تدابير جزئية غير منسقة، فقد تبطئ الوتيرة دون أن تتوقف. ولكن إذا اقترن سعر الذهب المجزي بتقليص فجوة سعر الصرف، وضبط الإصدار والنهج المنظم لواردات الوقود والقمح، فقد تبدأ الفجوة بين السعرين بالتراجع خلال أشهر. ومع ذلك، فإن عودة النازحين ستزيد الطلب على الوقود والغذاء -أي على الدولار- قبل أن يتعافى الإنتاج، لذا يجب أن يأتي الإصلاح مبكراً وقبل ذلك الطلب.
الجنيه لا ينهار بقرار من السوق؛ بل يقيس بدقة الفجوة بين ما تكسبه البلاد وما تنفقه وما تطبعه. وكل يوم يمر دون إغلاق تلك الفجوة يقرب الدولار من سقف نموذجك ويرفع تكلفة إصلاح سيكون لا مفر منه.
